عنوان الفتوى: الضحك المأذون فيه والمنهي عنه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الضحك؟ بسبب أن بعض الناس يعيب الضحك ويقول إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضحك، فما هو الضحك المأذون فيه والمنهي عنه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9753

18-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أن التبسم كان سمتاً معروفاً في وجهه وشخصه صلى الله عليه وسلم، فكان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكان يَبشُّ لأصحابه كما في الصحيحين عَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: (مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي)، وهذا من حسن معاشرته لأهله وأصحابه.

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (كان من أفكه الناس) أي من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله، والفكاهة المزاحة ورجل فكه ذكره الزمخشري وفي حديث عائشة رضي الله عنه: إني لطخت وجه سودة رضي الله عنه  بحريرة، ولطخت سودة وجه عائشة فجعل يضحك... قال الحافظ العراقي: جيد.أهـ

وقد وردت روايات كثيرة عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما تثبت تبسمه وضحكه، ومبالغته في الضحك أحياناً، ومن هذا ما رواه البخاري بسنده قال:"اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ ...الحديث".

وروى مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ آخَرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا فَيُقَالُ لَهُ انْطَلِقْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ فَيُقَالُ لَهُ أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى فَيُقَالُ لَهُ لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَقُولُ أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ".

وروى مسلم أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لِسعد بن أي وقاص رضي الله عنه: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.

وروى أبو داوود والنسائي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ قَالَتْ: بَنَاتِي وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ، قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ".

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري: قال أهل اللغة: التبسم مبادئ الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك وهي الثنايا والأنياب وما يليها وتسمى النواجذ.اهـ

وقد وردت روايات أخرى أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على التبسم، كما روى البخاري:عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضَاحِكاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ"، وروى الترمذي وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه قَالَ: مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَبَسُّمًا.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث وَغَيْرهمْ الْمُرَاد بِالنَّوَاجِذِ هُنَا الْأَنْيَاب ... وَفِي هَذَا: جَوَاز الضَّحِك، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي بَعْض الْمَوَاطِن، وَلَا بِمُسْقِطٍ لِلْمُرُوءَةِ إِذَا لَمْ يُجَاوِز بِهِ الْحَدّ الْمُعْتَاد مِنْ أَمْثَاله فِي مِثْل تِلْكَ الْحَال، وَاَللَّه أَعْلَم .اهـ

ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فإن كل واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم إنما حكى ما شاهده من حاله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أغلب حاله التبسم، وربما غلبه الضحك أحياناً، وضحكه هذا لا ينافي زهده وورعه وأدبه، وتعلَّقه بالله تعالى، ولا أحد زهد كزهد النبى  - صلى الله عليه وسلم -.

قال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: كان عليه السلام فى أكثر أحواله يبتسم، وكان أيضًا يضحك فى أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم، وأقل من الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات، هذا كان شأنه، وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى تبدو نواجذه، ويجرى على عادة البشر في ذلك لأنه قد قال: "إنما أنا بشر"، فيبين لأمته بضحكة الذي بدت فيه نواجذه أنه غير محرم على أمته، وبان بحديث عائشة أن التبسم والاقتصار في الضحك هو الذي ينبغي لأمته فعله والاقتداء به فيه للزومه عليه السلام له في أكثر أحواله.أهـ

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (كان من أضحك الناس) لا ينافيه خبر أنه كان لا يضحك إلا تبسما لأن التبسم كان أغلب أحواله فمن أخبر به أخبر عن أكثر أحواله ولم يعرج على ذلك لندوره أو كل راو روى بحسب ما شاهد فالاختلاف باختلاف المواطن والأزمان.أهـ

إلا أن هذا الضحك يظل محموداً ما لم يصل إلى الإكثار والمبالغة التي تفضي إلى موت القلب، وسقوط العبد من أعين الخلق، والحكمة تقول: من كثر مزاحه قلَّت هيبته، فالمكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك كما قال لقمان لابنه: يا بني إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب فلإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه، مذموم منهي عنه، وهو من فعل أهل السفه والبطالة.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري: والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه لأنه يذهب الوقار.

وقال الإمام ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك، فقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: "لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".

وكان الصحابة رضي الله عنهم يضحكون، و لا يناقض هذا زهدهم وورعهم، كما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: سئل ابن عمر هل كان أصحاب النبي عليه السلام يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله هو الذي أضحك وأبكى.

والحاصل مما سبق: أن التبسم مطلوب فهو من أخلاق المؤمنين، وقد كان هذا هو أغلب أحواله صلى الله عليه وسلم، كما يجوز الضحك الشديد الذي تبدو منه النواجذ طالما وُجد الباعث عليه دون الاكثار منه إلى حد يسقط  المروءة، والمذموم منه أيضا أن يضحك الشخص بلا سبب ولا مبرر فإنه مخل بالأدب، والمذموم من هذا هو الإكثار من الضحك والمبالغة فيه لما يفضي إلى سقوط الهيبة وموت القلب، والعياذ بالله، والله أعلم.

  • والخلاصة

    التبسم مطلوب فهو من أخلاق المؤمنين، وقد كان هذا هو أغلب أحواله صلى الله عليه وسلم ، كما يجوز الضحك الشديد الذي تبدو منه النواجذ طالما وُجد الباعث عليه دون الإكثار منه إلى حد يسقط  المروءة، والمذموم منه أيضاً أن يضحك الشخص بلا سبب ولا مبرر فإنه مخل بالأدب، والمذموم من هذا هو الإكثار من الضحك والمبالغة فيه لما يفضي إلى سقوط الهيبة وموت القلب، والعياذ بالله، والله أعلم.