عنوان الفتوى: حكم قبول المعلمة لهدية من أحد أولياء أمور الطلاب

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا أعمل مدرسة في الروضة الأولى في إحدى المدارس الخاصة، وقد جرت عادة أولياء الأمور على تقديم الهدايا للمعلمات سواء بمناسبة، كأن تضع المعلمة مولوداً فيقدمون لها ملابس وأغراض لها وللمولود الجديد أو بغير مناسبة بأن تقول أم الطالب للمعلمة : " إن الولد يحبك وأراد أن يهديك شيئاً "، وأحياناً تكون هدايا باهظة الثمن. وقد كثرت الهدايا في هذه الأيام في نهاية العام الدراسي ووقع خلاف كبير بين المعلمات: فمنهن من تقول :" إن في هذا شبهة رشوة لأنني لا أعلم نية الأم، فربما كانت تهديني ليزيد اهتمامي بولدها أو لأعطيه أكثر مما يستحق في تقييم نهاية العام، هذا إضافة إلى أني لا أشعر بالراحة على الإطلاق إذا قبلت الهدية و أتساءل : هل كانت الأم ستهديني إن لم أكن معلمة لولدها ؟ وإذا أنا قبلت هدية من قَبل ، فهل إذا اشتريت لكل طالب في الصف هدية بنفس القيمة أكون قد كَفَّرتُ عن قبول الهدية من الأم إن كانت حراماً أو شبهة ؟ ومنهن من تقول نقيض ذلك : إنهم أطفال في الروضة الأولى وليسوا في جامعة، وفي الغالب فإن تقييم آخر العام لا يعني لهم شيئاً، وأنا أعلم نفسي جيداً وأعلم أنني لن أحابي هذا الطفل عن غيره، كما أني لا أريد أن أُحْرِج أمه التي تَعِبَتْ في البحث عن هدية ملائمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (تهادوا تحابوا ) أليس في قبول الهدية تطبيق للسنة ؟ فأي الرأيين هو الصواب ؟ وهل يختلف الأمر باختلاف قيمة الهدية أو نوعها كأن تكون ثياباً أو طعاماً أو شراباً؟ علماً بأن قوانين المدرسة تمنع المعلمات من قبول أي نوع من الهدايا من أولياء الأمور، وهو أمر منصوص عليه بوضوح في العقد الذي وقعته المعلمة في أول أيام عملها، غير أن بعض المعلمات يرون أن المدرسة نفسها لا تلتزم بكل نصوص العقد مما يعطيهن الحق في مخالفة بعضها. نرجو أن تفتونا في هذا الأمر حيث أننا سمعنا أحد العلماء يقول: "من أكل من شبهة أو من حرام أربعين يوماً عصت جوارحه وإن أبى" ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

969

18-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أختنا الكريمة على حرصك على تعلم أمور دينك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، وزادك ورعاً .

ويظهر من سؤالك ورعٌ شديد، ينبئ عن قلب يخاف الله تعالى، نسأل الله تعالى أن يثبتك على الإيمان، وأن يرزقك حلالاً طيباً مباركاً لا شبهة فيه.

وأما جوابك : فالأصل في الهدية قبولها من المُهْدِي لما تبعثه في النفوس من بث روح الألفة والمحبة، وقد نص العلماء على جواز أخذ المعلم الهدية من تلميذه، وكلامهم في المعلم المتبرع بتعليمه، والظاهر والله أعلم أن المعلم (الموظف) الذي يتقاضى على تدريسه أجراً من المدرسة أو الدولة يجوز له أيضاً أن يقبل الهدية ولكن بشرط أن لا تكون هذه الهدية سبباً لتفضيل هذا الطالب على غيره، أو إعطائه ما لا يستحقه من الدرجات، أو تقديمه على من هو أفضل منه، وبشرط أن لا يترتب على هذه الهدية أي مفسدة أخرى، فالفتوى هو الجواز بشروطه التي ذكرناها, والتقوى هو عدم قبول الهدية مطلقاً وذلك ابتعاداً لما يطرأ على قبولها من الشبهات مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقد الذي تمَّ التراضي عليه ابتداءً, والذي نص على منع أخذ المعلمات الهدايا من الطالبات أوأولياء أمورهن ملزم للمدرسات بالالتزام به، فالمؤمنون عند شروطهم.

وبناءً عليه فلا يجوز لك ولا لغيرك من المعلمات قبول أي هدية من أحد أولياء الأمور، وكون المدرسة لا تلتزم بكل نصوص العقد ليس مسوِّغاً لمخالفتكم له، فإن على المسلم أن يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه، ولا يخن من خانه.

وأما وضع الهدية بعد أخذها ، فلا يجوز التصرف فيها إلا بإذن إدارة المدرسة، إذ هي في موضع الإمام أو ولي الأمر، فإن أَذِنَت إدارة المدرسة بأخذها فذاك ، وإلا وَجَبَ رَدُّهَا إلى بيت مال المسلمين أو مَنْ في حكمه, كإدارة المدرسة، أو التصدق بها على فقراء المسلمين.

ودليل جواز قبول الهدية في الأصل ما رواه اَلْبُخَارِيُّ فِي " اَلْأَدَبِ اَلْمُفْرَدِ " وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَن عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( تَهَادُوْا تَحَابُّوا ).

ودليل منع أخذ الهدية لمن كان عاملاً على الزكاة أو قاضياً أو والياً : ما رواه مسلم عن عَدي بْنِ عَميرَةَ الكنْدي، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : (مَنِ اسْتَعْمَلنَاهُ مِنكمْ عَلى عًمَلِ، فَكَتمَنَا مَخْيطَاً فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلولاً يأتي بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ).

وكذلك ما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قَالَ : اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلُّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ : هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ) ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : ( أَمَّا بَعْدُ : فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ : هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ ؟ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ ، يَقُولُ :اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ) بَصَرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.

وقد دل هذا الحديث على أن هدايا العمال ليست كالهدايا المباحة لأن العامل إنما يُهْدَى له محاباة ليفعل في حق المُهْدِي ما ليس له أن يفعل، وإليك أيتها الأخت السائلة لمزيد من الفائدة بعض أقوال أهل العلم في ذلك :

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى فى شرحه على صحيح مسلم : وَفِي هَذَا الْحَدِيث - الحديث السابق - : بَيَان أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال حَرَام وَغُلُول ؛ لِأَنَّهُ خَانَ فِي وِلَايَته وَأَمَانَته، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيث فِي عُقُوبَته وَحَمْله مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، كَمَا ذَكَرَ مِثْله فِي الْغَالّ، وَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْس الْحَدِيث السَّبَب فِي تَحْرِيم الْهَدِيَّة عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا بِسَبَبِ الْوِلَايَة، بِخِلَافِ الْهَدِيَّة لِغَيْرِ الْعَامِل، فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّة .اهـ

قال الإمام المناوي في فيض القدير :(هدايا العمال حرام كلها) ، قال ابن بطال : فيه أن هدايا العمال تُجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طَيَّبَها له الإمام أو من يقوم مقامه، واستنبط منه المهلب رَدّ هدية من كان ماله حراماً أو عُرِف بالظلم، وخرَّج أبو نعيم وغيره أن عمر بن عبد العزيز اشتهى تفاحاً ولم يكن معه ما يشتري به فركب فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فَشَمَّها ثم رَدَّها فقيل له : ألم يكن المصطفى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقبلون الهدية ؟ فقال : إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة .اهـ

وقال العلامة الجمل في حاشيته على شرح منهج الطلاب: (وَلَا يَلْتَحِقُ بِالْقَاضِي فِيمَا ذُكِرَ - فالقاضي ممنوع من قبول الهدية بخلاف - الْمُفْتِي، وَالْوَاعِظُ، وَمُعَلِّمُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الْإِلْزَامِ، وَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنْ الْإِفْتَاءِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ عَدَمُ الْقَبُولِ لِيَكُونَ عَمَلُهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ تَحَبُّبًاً وَتَوَدُّدًا لِعِلْمِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ فَالْأَوْلَى الْقَبُولُ، وَأَمَّا إذَا أَخَذَ الْمُفْتِي الْهَدِيَّةَ لِيُرَخِّصَ فِي الْفَتْوَى فَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ بَاطِلٍ فَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ يُبَدِّلُ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْتَرِي بِهَا ثَمَنًا قَلِيلاً، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً ... وَقَوْلُهُ وَسَائِرُ الْعُمَّالِ.. إلَخْ مِنْهُمْ مَشَايِخُ الْبُلْدَانِ وَالْأَسْوَاقِ، وَمُبَاشِرُ الْأَوْقَافِ، وَكُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ).

وما ذكرتيه من أن أكل الحرام ـ ومنه أخذ الرشوة ـ يترتب عليه وقوع الجوارح في المعاصي فصحيح، فإن أكل الحرام يترتب عليه رفع معية الله للعبد وحفظه له من الوقوع في المعصية، كما أن أهل الطاعة يدخلون في حفظ الله لهم من الوقوع في المعاصي.

قال الحسن البصري رحمه الله : هانوا على الله فعصوه، ولو عَزُّوا عليه لعصمهم .

والله تعالى أعلم .

  • والخلاصة

    أنه يجوز للمعلمة أن تأخذ هدية من أحد أولياء أمور الطلاب إن لم يترتب على الدراسة تقييم للطلاب كالروضة مثلاً ، ولكن بإذن إدارة المدرسة، وذلك بسبب العقد الذي نَصَّ على المنع، فإن أذنت إدارة المدرسة، وإلا وَجَبَ رَدُّها، أو التصدق بها على فقراء المسلمين. والله تعالى أعلم .