عنوان الفتوى: هل الجني يسرق؟

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

منذ أسبوعين ضاعت مني ساعة ثمينة، وقلبت في غرفتي، ووضعتها في خزانة بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها، سألت الخادمة وغيرها وقالت أختي إن آخر مرة رأتها في الخزانة، وبحثت في الخزانة و لم أجدها و الآن خائفة جداً، خفت أن جنياً يسرق، وسؤالي هو: هل الجني يسرق أم لا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9663

27-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيتها الأخت السائلة على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلمي رعاك الله أن وقوع السرقة من بعض الجن قد حصل بالفعل، فإن الجن فيهم الصالحون وفيهم المفسدون، كما قال تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}[الجن:11].

وقد ثبت هذا في السنة المطهرة على صاحبها الصلاة والسلام كما سرق الشيطان من تمر الصدقة، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...أهـ. الحديث.

إلا أن حصول هذا باطِّراد أمر لا دليل عليه، وذلك لأن الجن من عالم الغيب، ولا قدرة لنا ولا مُسوغ لدينا على اتهامهم إلا بدليل واضح، وبرهان بَيِّنٍ، فما حدث مع أبي هريرة رضي الله عنه إنما الذي أخبره أن السارق من الجن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامه وحي، وقد انقطع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم، أما نحن فكيف لنا أن نقدر على معرفة ذلك عنهم، ونحن لا قدرة لنا على رؤيتهم، ومن ثم لا نستطيع معرفة وقوع السرقة منهم فضلاً عن اتهامهم؟ ثم إن القول بهذا يُعدُّ ذريعة إلى وقوع الفساد بين الناس، حيث يقوم البعض بالسرقة ويتهم بها الجن حيث لا أحد يقوم بمواجهته.

ومع ذلك فمن الممكن للمسلم أن يقي نفسه وأهل بيته من شر الجن، سواء ثبت ذلك أو لا، وذلك بأن يتحصن ويُحصِّن أهله بالأذكار والأوراد الشرعية، ولذا فالنصيحة أن تكثروا من ذكر الله تعالى، وخاصة الإكثار من قراءة سورة البقرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، قال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"، رواهما مسلم.

كما ينبغي الاحتياط وذلك بإغلاق خزائن الأمتعة، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ".

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: هَذَا الْحَدِيث فِيهِ جُمَل مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر وَالْأَدَب الْجَامِعَة لِمَصَالِح الْآخِرَة وَالدُّنْيَا، فَأَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْآدَاب الَّتِي هِيَ سَبَب لِلسَّلَامَةِ مِنْ إِيذَاء الشَّيْطَان، وَجَعَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْأَسْبَاب أَسْبَابًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ إِيذَائِهِ فَلَا يَقْدِر عَلَى كَشْف إِنَاء وَلَا حَلّ سِقَاء، وَلَا فَتْح بَاب، وَلَا إِيذَاء صَبِيّ وَغَيْره، إِذَا وَجَدْت هَذِهِ الْأَسْبَاب، أهـ.

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال ابن العربي: وهذا من القدرة التي لا يؤمن بها إلا الموحد وهو أن يكون الشيطان يتصرف في الأمور الغريبة ويتولج في المسام الضيقة فيعجز عن ذلك والأمر للإرشاد على ما قاله النووي وقال غيره للندب وقال ابن دقيق العبد والخبر يدل على منع دخول الشيطان الخارج لا الداخل... أهـ، والله أعلم.

  • والخلاصة

    الجن من عالم الغيب، ولا قدرة لنا ولا مُسوغ لدينا على اتهامهم إلا بدليل واضح، وبرهان بَيِّنٍ، فما حدث مع أبي هريرة رضي الله عنه إنما الذي أخبره أن السارق من الجن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامه وحي، وقد انقطع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم، أما نحن فكيف لنا أن نقدر على معرفة ذلك عنهم، ونحن لا قدرة لنا على رؤيتهم، ومن ثم لا نستطيع معرفة وقوع السرقة منهم فضلاً عن اتهامهم؟ فحاولي أن تلتمسي ما فقدتِ من أغراض بين أركان بيتك، والله أعلم.