عنوان الفتوى: بر الأم بعد موتها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

توفيت أمي منذ 4 سنوات ويشهد الله أنني لم أقصر بحقها يوما وإذا كنت قصرت فعسى أن يسامحني الله ولكن إلى الآن يتملكني شعور أني لم أوفها حقها من البر المادي، وأنا أتصدق عنها وأبكي لها إلى الآن لأنها ماتت فجأة فهل أنا آثمة وماذا أفعل؟ أنا لازلت أفكر فيها إلى الآن وأخاف كثيرا من العقاب في الآخرة فهل هذا يجعلني مذنبة بحقها؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9653

17-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيتها الأخت على سؤالك، وزادك حرصاً على بِرِّك بأمك، ونسأل الله أن يرحمها وأن يرفع درجتها في المهديين، وأن يجعل كتابها في عليين، وأن يخلفها في عقبها في الغابرين.

واعلمي ـ رعاك الله ـ أن ما تجدينه من الشعور بالتقصير، والإحساس بالذنب هو من وساوس الشيطان الذي يجتهد أن يغمرك الحزن والألم حتى يوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى خاصة أنك ذكرتِ أنك اجتهدتِ قدر استطاعتك في برها حال حياتها وأنك لم تقصري، فعلام الإحساس بالتقصير إذاً؟

ومع هذا فالبكاء على فراق الأم رحمة من الله تعالى حتى يبقى التعلق بها وبإرضائها باعثاً وحافزاً على البِرِّ بها بعد موتها، نعم لقد ماتت أمك وانتقلت إلى رحمة ربها، إلا أنه بقي عليك شيء طالما أنت حريصة على البِرِّ بها بعد موتها، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وبيَّن نادباً إلى أنَّ مِنْ بِِرِّ الوالدين بعد موتهما الدعاء لهما والتصدق عنهما وصلة رحمهما وإكرام أصدقائهما، فقد روى أبو داود عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا".

وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ، وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْثوَاب لَهُ، إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؛ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا؛ فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه، وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة، وَهِيَ الْوَقْف ...وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاء يَصِل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة، وَهُمَا مُجْمَع عَلَيْهِمَا ...أهـ.

ومما ندب إليه صلى الله عليه وسلم وعدَّه من البِرِّ بهما؛ صلة أرحامهما وأحبابهما وأصدقائهما، كما روى مسلم أيضاً وأبو داود عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْمَرْءِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ"، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: وَفِي هَذَا فَضْل صِلَة أَصْدِقَاء الْأَب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَإِكْرَامهمْ، وَهُوَ مُتَضَمِّن لِبِرِّ الْأَب وَإِكْرَامه؛ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ، وَتَلْتَحِق بِهِ أَصْدِقَاء الْأُمّ وَالْأَجْدَاد وَالْمَشَايِخ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي إِكْرَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَائِل خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا...أهـ

ولا شك أنك إذا قمت بالدعاء لها وبذل الصدقة عنها، وخاصة الوقف وذلك لتجدد منفعة الناس به، ومن ثم تجدد الثواب لها، وكذلك صلة أرحامها وإكرام أهلها وأصدقائها فقد قمت بحظ وافرٍ من البِرِّ بها، والله أعلم.

  • والخلاصة

    اطرحي هذه الوساوس عنك فهي من الشيطان، وأعرضي عنها طالما بذلت جهدك قدر استطاعتك في بِرِّها حال حياتها، إلا أنه بقي عليك شيء من البِرِّ بها بعد موتها، وهو الدعاء لها والتصدق عنها وصلة رحمها وإكرام أحبابها وصديقاتها، والله أعلم.