عنوان الفتوى: الإيمان بالله تعالى وأهم علاماته

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كيف نوضح الإيمان بالله؟ ما هي علامات الإيمان في القلب؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9606

27-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، واعلم رعاك الله أن أَصْل الْإِيمَان هو التَّصْدِيق، وهو شرعا: تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن ربه تعالى، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان الإيمان لما أتاه جبريل عليه السلام في صورة سائل يسأله عن الإيمان لِيُعلِّم الصحابة والأمة من بعدهم، كما روى مسلم... قَالَ: (فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ...) الحديث، والإيمان بالله تعالى الذي هو التصديق الذي هو عمل القلب، ولا ينافي هذا أن أعمال البِرِّ التي تؤديها الجوارح من الإيمان، بل شعب الإيمان كلها أعمال وهي من الإيمان أيضاً، أي أنها بسببه، ودالة عليه.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: قَالَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بْن مَسْعُود الْبَغَوِيُّ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه- فِي حَدِيث سُؤَال جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَجَوَابه، قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ اِسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنْ الْأَعْمَال، وَجَعَلَ الْإِيمَان اِسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنْ الِاعْتِقَاد؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنْ الْإِسْلَامِ؛ بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَجِمَاعهَا الدِّين، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، وَالتَّصْدِيقُ وَالْعَمَلُ يَتَنَاوَلُهُمَا اِسْمُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ جَمِيعًا ...اهـ.

وللإيمان علامات يُعرف به، ويظهر منها تمكنه من القلب من عدمه أو ضعفه، وهي كثيرة، وإننا نقتصر على أهمها، ومنها:

ـ حُب الله تعالى، والتعلق به، والحرص على طاعته ورضاه على كل حال، وإيثار مُحابِّه على الهوى وغيره، وامتثال أمره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، ومن آثار هذا المحافظة على صلاة الجماعة والجُمع، والتبكير إليها، والتعلق بالمساجد، وبذل الصدقة، والإكثار من صيام النوافل فضلاً عن الفريضة، وبر الوالدين، والإحسان إلى الخلق، وكف الأذى عنهم، والانشغال بالذكر عامة، وتلاوة القرآن خاصة، وقد سئل بعض الصالحين عن المحبة ما هي؟ فقال: إيثار القلب لمراد الرب، أن توافق الله، عزَّ وجلَّ، فتحب ما أحب وتكره ما كره.

ـ حُب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآل بيته وعترته، ومن آثار هذا اتباع سنته وتعظيم هديه الشريف على كل حال، والتزام شريعته واتباع طاعته، وإكرام أهل بيته، وحب ما يحب، وبغض ما يبغض، قال تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[آل عمران:31]، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فيما رواه الشيخان عن أَنَسِ رضي الله عنه قال: قَالَ صلى الله عليه وسلم: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ"، قال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: معنى وجود حلاوة الإيمان هو استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، رغبة في نعيم الآخرة، الذي لا يبيد ولا يفنى، وروى عن عتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذت بها باقي عمري، أهـ.

ـ حُب الصحابة رضي الله عنهم وحفظ حقوقهم، ومعرفة قدرهم، والاعتراف بشرفهم وفضلهم، وعدم التطاول عليهم، وخاصة الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين بأنفسهم وأهليهم وأموالهم، وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال:قَالَ صلى الله عليه وسلم: "آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ"، قال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: فصح أن الأنصار المبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته حتى يموتوا على ذلك؛ فحبهم علامة الإيمان، ومجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم في أموالهم كما وصفهم الله، تعالى، واتباعًا بحب الله لهم بقوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[آل عمران: 31]، فكان الأنصار ممن اتبعه أولا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحب الله وجب على العباد حبه، وقد مدح الله، تعالى، الذين يقولون: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}؛ لأنهم سنوا لنا سُنة حسنة لهم أجرها وآجر من عمل بها إلى يوم القيامة.أهـ

ومن آثار هذا حب التابعين والعلماء والأئمة الفقهاء والصالحين الأخيار، ومجالسة أهل الخير والبر والهدى والرشاد

ـ الزهد في الدنيا، وعدم الطمع فيها، أو التطلع إليها، والرغبة عنها إلى الآخرة، بل والتعلق بالآخرة، والشوق إلى لقاء الله تعالى والجنة، والرضا بالله على كل حال، وألا يضن  بما في يده على المسلمين، حتى يستوي عنده العطاء والمنع، والغنى والفقر، وقد روى الإمام الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}[الأنعام:125]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن النور إذا دخل الصدر انفسح" فقيل: يا رسول الله هل لذلك من علم يعرف؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله". والله أعلم.

  • والخلاصة

    الإيمان هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن ربه تعالى، ومن أهم علاماته حب الله تعالى وامتثال أمره واجتناب نهيه، والوقوف عند حدوده، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته، وتعظيم أمره ونهيه، وحب الصحابة والأنصار خاصة، وغيرهم من العلماء والصالحين، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والله أعلم.