عنوان الفتوى: تفجير النفس

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز تفجير النفس؟ يعني: هل هو مثل قتل للنفس؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9367

22-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياك فهم كلامه ومعرفة مراده والعمل بما أمر والبعد عما نهى إنه سميع مجيب، وما سألت عنه أخي الكريم لا بدَّ للإجابة عنه من عدة نقاط نرتكز عليها للوصول إلى إجابتك:

أولاً: إنَّ الله سبحانه وتعالى كرَّم النفس البشرية وصانها من عبث العابثين أو كيد الكائدين؛ فقال سبحانه وتعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}[المائدة:32].

وقد جعل الشرع الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي جاء الإسلام للحفاظ عليها؛ قال العلامة الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الموافقات: (قد اتفقت الأمة - بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمة كالضروري)أهـ.

فلذلك كان الحفاظ على النفس وقدسيتها كان لها أولوية في دين الله وجاءت الشريعة بالأحكام التي تتوافق على ذلك وأكبر دليل أن الله لم يكلفنا من الأعمال ما لا تطيق نفوسنا قال سبحانه وتعالى:{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[البقرة:286].

ثانياً: إنَّ تفجير النفس يعني: مباشرة الإنسان لعمل من شأنه أن يقتل به نفسه ويزهق روحه، وهذا له حالتان:

1- أن يكون ذلك انتحاراً، والانتحار هو: حمل النفس على أي فعل دنيوي يؤدي إلى هلاكها، وهذا حرام بنص الكتاب والسنة وهو مجمع عليه بين الأمة، قال سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً*وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً}[النساء:30،29].

2- أن يكون ذلك من باب الجهاد في سبيل الله، وذلك يرتكز على نقطتين أساسيتين:

أ- إنَّ الجهاد في سبيل الله من مسائل السياسة الشرعية وهو مرتبط بولي الأمر، فليس لأي إنسان أن يحمل سلاحه ويمشي بين الناس معلناً الجهاد في سبيل الله، ويقوم بإثارة الفتن والخروج على ولي الأمر ثم يقوم بقتل من لا يرى رأيه ويحكم بردتهم أو كفرهم ويعتقد أنه يجاهد.

فولي الأمر هو الذي يدعو إلى النفير وينظم الصفوف ويدرب الجيش، وهذا مما أجمعت عليه الأمة سلفاً وخلفاً، وأنَّ اعتبار الجهاد من أحكام الإمامة؛ لأنه واجب خطير لا بدَّ وأن ينهض على اجتماع الكلمة وأن يكون على يد القائد الذي يتمتع بالسلطة النافذة بحيث تنقاد له الجموع وتستجيب له العسكر والجيوش وهذا كله لا يمكن وجوده إلا بولي الأمر، وإنه لا يعلم أي خلاف بين أهل العلم في أن سياسة الجهاد إعلاناً وتسييراً وإنهاءً، ونظراً لذيوله وآثاره كل ذلك داخل في أحكام الإمامة لا يجوز لأحد من المسلمين أن يستقل بها دون إذن الإمام ومشورته؛ جاء في الشرح الصغير على أقرب المسالك للشيخ الدردير المالكي:" وتعيَّن الجهاد بتعيين الإمام لشخص...".

وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي:"وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك"، وجاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي:" وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده لأنه أعرف بحال الناس وبحال العدو ونكايتهم وقربهم وبعدهم".

وجاء في المبسوط للإمام السرخسي الحنفي:"على إمام المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه أو ببعث الجيوش والسرايا من المسلمين ثم يثق بجميل وعد الله تعالى بنصرته".

وقال القرافي المالكي في كتابه الإحكام:" إن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح ودرء المفاسد وقمع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس".

ب - إنَّ تفجير النفس في ساحة المعركة هو مرتبط بإزهاق النفس والاستعجال عليها، فالقتال في ساحة المعركة يقوم على أنه يقاتل عدوه حتى يقتل، فجاء قتله تبعاً لقتال عدوه، أما في التفجير فيقتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغير لسبب من الأسباب ولهذا لا نرى جواز الإقدام على مثل هذا العمل.

وقد نص العلماء المجتهدون على مسائل شبيهة، إذ لم يكن في زمانهم حزام ناسف أو قنابل أو ما شابه ذلك مما يوجد في عصرنا ولكنهم تكلموا عن مسألة شبيهة وهي مسألة التترس، أي: أن يجعل أحد الفريقين المتحاربين بينه وبين عدوه مجموعة من الناس ممن يمتنع عدوه عن قتلهم أو يتردد منه من أجل أن يحتمي بهم أو يمنع عدوه من مهاجمته، وهذه الحالة تشبه جداً الحالة التي بين أيدينا إلا أن الفرق بينهما أنَّ العدو هو الذي عرَّض المسلمين بتترسه بهم إلى الخطر وأما هنا فالمسلم هو الذي يعرض نفسه للخطر ويقتل نفسه؛ جاء في تفسير الإمام القرطبي عند قول الله سبحانه وتعالى: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)[الفتح:25] ما نصه:" قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوماً من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكاً وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم: أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم؟ قال: فقال مالك لا أرى ذلك؛ لقوله تعالى لأهل مكة : { لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، وكذلك لو تَتَرّس كافر بمسلم لم يُجز رميه.... وهذا ظاهر؛ فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز؛ سِيَّما بروح المسلم؛ فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه، والله أعلم ."اهـ.

وعلى هذا أخي السائل: فإنَّ تفجير النفس فيه إهلاك وإتلاف لها وهذا شيء نهانا الله سبحانه وتعالى عنه، ولهذا فإننا لا نرى جوازه سواء كان ذلك انتحاراً أو كان في ساحة المعركة، وإننا اطلعنا على أقوال بعض العلماء الذين يرون جوازها فرأينا أن جميع أدلتهم ظنية وجميع ما استدلوا به من أحاديث وأخبار كلها نصت أنه قاتل حتى قُتل ولم نجد أن أحداً قال: قتل نفسه ظناً بأنه سيقتل العدو، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    فإنَّ تفجير النفس فيه إهلاك وإتلاف لها وهذا شيء نهانا الله سبحانه وتعالى عنه، ولهذا فإننا لا نرى جوازه سواء كان ذلك انتحاراً أو كان في ساحة المعركة، والله تعالى أعلم.