عنوان الفتوى: أهل الفترة (المفهوم والتكليف)

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

لماذا الله أنزل معظم أنبيائه في الجزيرة العربية - ولم نقرأ بنبي أو رسول نزل في أرض أوروبا  أو أمريكا أو شرق آسيا أو روسيا - وما حساب الأشخاص الذين كانوا يعيشون في هذه الأراضي الذين لم يأتهم نبي من الله أو لم يسمعوا بهم - ما حسابهم يوم القيامة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9330

09-مارس-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله فيك أخي السائل الكريم، في البداية يجب تحديد ما مفهوم جزيرة العرب ليتضح بعد ذلك الجواب عن السؤال، قال الحافظ ابن عبد البر: (ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول؛ وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى أطرار الشام، وذكر ابن وهب عن مالك قال أرض العرب مكة والمدينة واليمن).

قال أبو عمر رضي الله عنه: قال بعض أهل العلم: إنما سمي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين تهامة ونجد وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها من أقطارها وأطرارها فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر.

 وعلى هذا المعنى فإن أغلب الأنبياء بعثوا من خارج الجزيرة العربية فقد كان بعضهم بالعراق وبعضهم بالشام وبعضهم بمصر وقد كان أغلب الأنبياء المذكورين في القرآن الكريم من غير العرب، وإنما كان أغلبهم من بني إسرائيل، فسكن قوم شعيب مدين وهي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريباً من بحيرة قوم لوط، وأما قوم نوح فمسكنهم في جنوب العراق حول مدينة الكوفة حالياً، وسكن قوم لوط في سدوم وعامورة بجوار البحر الميت، وأما إبراهيم فكان في العراق ثم انتقل إلى فلسطين مع زوجته سارة وابن أخيه لوط، ثم انتقل إلى مصر، ثم عاد مع لوط إلى جنوب فلسطين، ثم سكن إبراهيم بئر السبع، ثم سار إبراهيم عليه السلام بزوجته هاجر إلى مكة ومعها ابنها إسماعيل واستوطنها، ثم مات إبراهيم في فلسطين في مدينة الخليل.

وبهذا المعنى يتبين أن مقولة أن الأنبياء بعثوا خاصة في جزيرة العرب مقولة ليست صحيحة، وأما سؤالك عن خصوص الأشخاص الذين لم تبلغهم دعوة الأنبياء الذين أرسلوا في زمانهم. فالجواب: أن العلماء ذكروا أن كل من بلغته دعوة نبي في زمانه ولو في الجملة فهو مكلف، وأما من يعيش منعزلا أو بعيدا من الإسلام والمسلمين أو ما في حكمهم ولم تبلغه دعوة نبي فهو في حكم أهل الفترة الذين يعيشون في وقت لم تبلغهم فيه دعوة رسول ولم يأتهم كتاب كالفترة بين سيدنا عيسى عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل}[المائدة:19].

وأما حكم أهل الفترة فإنهم ناجون إن شاء الله تعالى يوم القيامة لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}[الإسراء:15}، فقد جاء في مسالك الحنفا للإمام الشيخ عبد الرحمن السيوطي: فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. وقد دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين،

وجاء في حاشية السندي على ابن ماجه: (وَقَدْ أَطْبَقَ أَئِمَّتنَا الشَّافِعِيَّة وَالْأَشْعَرِيَّة عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغهُ الدَّعْوَة لَا يُعَذَّب وَيَدْخُل الْجَنَّة لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الْآيَة وَقَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر فِي الْإِصَابَة وَرَدَ مِنْ عِدَّة طُرُق فِي حَقّ الشَّيْخ الْهَرَم وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة وَمَنْ وُلِدَ أَكْمَه أَعْمَى أَصَمّ وَمَنْ وُلِدَ مَجْنُونًا أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُون قَبْل أَنْ يَبْلُغ وَنَحْو ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَأْتِي بِحُجَّةٍ وَيَقُول لَوْ عَقَلْت أَوْ ذَكَرْت لَآمَنَتْ فَتُرْفَع لَهُمْ نَار وَيُقَال اُدْخُلُوهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ لَهُ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ اِمْتَنَعَ أُدْخِلهَا كُرْهًا وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَدْخُل عَبْد الْمَطْلَب وَآل بَيْته فِي جُمْلَة مَنْ يَدْخُلهَا طَائِعًا...) أهـ.

وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الفتاوى الحديثية: (مطلب الأصح أن أهل الفترة ناجون في الجنة: ... بل الأصح في أهل الفترة وهم من لم يرسل إليهم رسول أنهم في الجنة عملا بقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}).

وجاء في تفسير الإمام الألوسي: ( والذي عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء أن أهل الفترة لا يعذبون وأطلقوا القول في ذلك ). والله أعلم

  • والخلاصة

    لا تختص جزيرة العرب بأن كل الأنبياء بعثوا فيها، وكل من لم تبلغه دعوة نبي ولا كتاب ولو في الجملة فهو من أهل الفترة، والمحققون من أهل الكلام والأصول أن أهل الفترة لا يعذبون. والله أعلم.