عنوان الفتوى: ترك الأم والهجرة بالأسرة خارج وطنه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا عراقي عمري 37 عاما، متزوج ولدي ولد وابنتان، حصلت على تأشيرة هجرة إلى أمريكا  وأنا أهتم بمستقبل أطفالي وحصولهم على جنسية بلد آخر، سؤالي هو أن والدتي وإخوتي وأخواتي موجودون في العراق، ووالدتي تطلب مني العودة بقربها، وأنا والله أحب أن أبر بها ولكن أريد أن أُؤمن مستقبل أطفالي وأن لا يكونوا مستضعفين في أرضهم بل علماء ومخترعين ينفعون أنفسهم ودينهم، أفيدوني أفادكم الله في أمري إلى الصواب من أمري، وجزاكم الله عني خيرا.

نص الجواب

رقم الفتوى

9202

27-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أن الحرص على تعلم العلم مطلوب، وكذلك فإن من المهم تخريج أجيال من أبنائنا من العلماء والنجباء البارعين في مجالات العلوم المختلفة لينفعوا أمتهم وأوطانهم، ولكن السفر إلى بلاد غير المسلمين سواء للعمل أو الإقامة أو الحصول على الجنسية جائز بشرط أن يحافظ الإنسان على دينه ودين زوجته وأبنائه.

ومع هذا فالبرُّ بالأم ابتغاء مرضاة الله تعالى هو من أعظم القربات والأعمال الصالحة، وتحقيق رضاها هو حصول الخير في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير* وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً}[لقمان:14-15]، وقال سبحانه: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً}[الإسراء: 23-24].

كيف لا؟ ورضا الله في رضاها، وسخط الله في سخطها، والجنة تحت أقدامها، وما من ولد ترك دنياه لأجل أمه، وآثر مُحابها على مُحابِّه، وقدَّم رضاها على هواه إلا أعاضه الله خيراً مما ترك.

والتاريخ الإسلامي زاخر بالنماذج التي تعانق عنان السماء رفعة وشموخاً، ومن هؤلاء سيد التابعين وإمامهم أويس القرني الذي أقعده البرُّ بأمه عن الخروج مهاجراً من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعه برها من القدوم عليه صلى الله عليه وسلم في وقت وجوب الهجرة، فضلاً عن بركة رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف صحبته، لكن الله عوَّضه أن رفع شأنه وجعله إمام التابعين وجعله مجاب الدعوة.

فقد روى مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ".

فإن استطعتَ أن تستغني عن السفر لتقعد مع أمك فهو أتقى لربك وأنفع لنفسك ، وإن تعذَّر عليك البقاء ووجدتَّ نفسك مضطراً إلى السفر، وقدمتَ السفر والهجرة على المُكث معها فليس بِعقوق طالما أنه بقي مع أمك من إخوانك من يقوم على رعايتها، على أن تسترضيها قبل سفرك ، وتوفر لها بقدر استطاعتك ما يعينها على العيش الكريم ، فضابط العقوق المحرم كما نقل خلاصته عن البلقيني وهو أن يحصل من الولد للأبوين أو أحدهما إيذاء ليس بالهين عرفاً، فيخرج من هذا ما إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد في العرف مخالفته عقوقا فلا يكون ذلك عقوقاً، قال الألوسي: (وأما مخالفة أمره فيما لا يدخل على الولد فيه ضرر بالكلية وإنما هو مجرد إرشاد للولد فلا يكون عقوقاً).

وننصحك أن تستخير وتستشير في أمر الهجرة خارج وطنك، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار، فإن رأيت التيسير والتوفيق في أمر السفر فلا تنس أن تسترضي أمك، وتفاهم معها حتى تُوفق في سفرك واغترابك، فالله تعالى يستجيب دعوة الأم، نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يلهمك رشدك، وأن يوفقك لما فيه الخير لك ولأهلك، والله أعلم.

  • والخلاصة

    لا يدخلك في دائرة العقوق أن تسافر وتدع أمك طالما بقي معها من إخوانك من يقوم على رعايتها،على أن تسترضيها قبل سفرك ، وتوفر لها بقدر استطاعتك ما يعينها على العيش الكريم ،وننصحك أن تستخير وتستشير في أمر الهجرة خارج وطنك، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار، فإن رأيت التيسير والتوفيق في أمرك فا سترض أمك، وتفاهم معها حتى تُوفق في سفرك واغترابك، فالله تعالى يستجيب دعوة الأم، نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يلهمك رشدك، وأن يوفقك لما فيه الخير لك ولأهلك، والله أعلم.