عنوان الفتوى: هل الطاعة شرط في الرزق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} , ولكننا نجد أن أهل نجد يستغفرون قطعاً أكثر من أهل بريطانيا، ولكن الأمطار عند الآخرين أكثر بكثير فهل للآية معنى آخر، وهل الطاعة شرط في الرزق ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

914

12-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أخي السائل الكريم، وفتح علينا وعليك أبواب الخير والرزق، واسمح لي بداية أن أذكر لك أقوال المفسرين في هذه الآية الكريمة :

فقد قال صاحب أضواء البيان : " رتب سبحانه إرسال السماء عليهم مدراراً على استغفارهم، وهذا يدل على أن الاستغفار والتوبة والعمل الصالح قد يكون سبباً في تيسير الرزق... ثم قال:" كما دلت الآية الأخرى في هذه السورة على أن المعصية سبب للهلاك في قوله: { مِّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } [ نوح : 25 ] .

قال القشيري في تفسيره:" ليعلمَ العالِمون : أَنًَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، فمن وقعت له إلى اللَّهِ حاجةُ فلن يَصِلَ إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار ويقال: مَنْ أراد التَّفَضُّل فعليه بالعُذْرِ والتنصُّل.

قال الشوكاني في فتح القدير: " وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال : { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات } يعني : بساتين { وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } جارية . قال عطاء: المعنى يكثر أموالكم وأولادكم . أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا."

وقال الرازي في تفسيره:" واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات، ويدل عليه وجوه أحدها: أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى : { تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً } [ مريم : 90 ، 91 ] فلما كان الكفر سبباً لخراب العالم ، وجب أن يكون الإيمان سبباً لعمارة العالم.

وثانيها: الآيات، ومنها هذه الآية، ومنها قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات من السماء والأرض } [ الأعراف : 96 ] { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأكلوا مِن فَوْقِهِمْ ومن تحت أرجلهم } [ المائدة : 66 ] { وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً } [ الجن : 16 ] .

روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقرأ الآيات في الاستغفار. ومنها هذه الآية { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } فقيل له: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء. المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة، ونوءه يكون عزيزاً شبه عمر ( الاستغفار ) بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء.

وقال ابن صبيح: شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك ؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله تعالى يقول في سورة " نوح: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدرارا ".

فإن قيل : إن بلاد غير المسلمين مغمورة بالغيث والمطر المستمر، وهم على الكفر والشرك، والعداء للإسلام؛ فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم، سواء كانوا كفاراً أو مسلمين، قال تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [ هود : 6 ]، ولكن الله عجل للكفار طيباتهم في الحياة الدنيا، واستمتعوا بها، والعاقبة وخيمة كما قال تعالى : { نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } [ لقمان : 24 ]، وقال سبحانه : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [ الأنعام : 44 ]، وقال سبحانه : {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} الآية [ إبراهيم : 42 ].

وإنما يبتلي الله المؤمنين؛ ليعتبروا، ويتذكروا لعلهم يرجعون إليه فيغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، كما قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [ البقرة : 155 ]، والنقص من الأموال والثمرات من أسبابه : تأخر المطر، ولهذا يشرع الاستسقاء، وإظهار الفاقة، والاستضعاف، والانكسار، والتوبة، والاستغفار؛ رجاء أن يزيل الله الشدائد عن عباده. والله أعلم.

قال صاحب الحكم رحمه الله:" ليس العبرة بوجود الأمطار وإنما العبرة بوجود الأثمار"، وقال أيضاً:" ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك متى فتح لك باب الفهم عنه عاد المنع عين العطاء".

والغالب على النفس الضعيفة أن تنبسط وتفرح بالعطاء وتنقبض بالمنع، لأن في العطاء متعتها وشهوتها فتنبسط بذلك، وفي المنع قطع موادها وترك حظوظها ولا شك أنها تنقبض بذلك وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها، فربما أعطاك ما تشتهيه نفسك فمنعك بذلك عن مناجاته، وربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها فمنعك الآخرة ونعيمها، وربما أعطاك قوة البدن ومنعك قوة الروح، وربما أعطاك إقبال الخلق فمنعك من إقبال الحق سبحانه، ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة، وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة.

  • والخلاصة

    الطاعة ليست شرطاً للرزق، فالله تعالى يرزق المؤمن والكافر، ولكن الاستغفار والطاعة سبب في توسيع الرزق ونزول البركات، وكثرة الخيرات. والله أعلم