عنوان الفتوى: تلاوة القرآن الكريم بالمقامات الصوتية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

نرجو التكرم بإفادتنا عن حكم تلاوة القرآن الكريم بالألحان أو ما يسمى المقامات إذا كان القارئ مراعياً لقواعد التلاوة متجنباً لحون أهل الفسق والغناء، متجنباً الألحان التي لا تليق بالقرآن، وكان قد تعلمها بوسيلة مشروعة من أصوات القراء بعيداً عن المعازف وآلات الغناء؟

نص الجواب

رقم الفتوى

8845

11-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنسأل الله العلي القدير أن يجعلنا وإياك ممن يقرؤون القرآن الكريم حق تلاوته، ثم اعلم أنه قد أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيله، لأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماع القرآن الكريم.

وإن المقصد من التغني بالقرآن، وتحسين الصوت بالقراءة، تدبر الآيات والعمل بها، مع إخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تقعر أو تمطيط، ومع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري: " لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود "رواه البخاري ومسلم،  قال العلماء: المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن، وعن البراء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، رواه البخاري ومسلم.

وأما تلاوة القرآن الكريم بالنغمات والمقامات العربية، مع الالتزام بأحكام التلاوة والتجويد فقد كرهه بعض الفقهاء وأجازه آخرون:

فقد ذهب السادة المالكية وبعض الحنابلة إلى كراهة قراءة القرآن بالألحان - أي المقامات الصوتية - التي يتم فيها ترجيع القراءة كترجيع الغناء، ولو لم يخل القارئ بقواعد التجويد وأحكام التلاوة، قال العلامة محمد عليش المالكي في منح الجليل شرح مختصر خليل:" تكره الإجارة على تعليم  قراءة  قرآن بلحن ... أي تطريب وهو تقطيع الصوت بالأنغام على حده المعروف في الموسيقى، ومحل الكراهة ما لم يخرجه عن كونه قرآنا كالغناء فيحرم حينئذ .... وكره مالك قراءة القرآن بالألحان، فكيف بالتغني".

قال العلامة النفراوي رحمه الله تعالى في الفواكه الدواني:" ولا يحل لك أيضاً قراءة شيء من القرآن باللحون المرجعة أي الأصوات التي يرجعها القارئ، كترجيع الغناء والمراد بعدم الحل الكراهة إلا أن يخرجه الترجيع عن حد القراءة ، كقصر الممدود ومد المقصور ، وكما لا تحل القراءة على الوجه المذكور لا يحل سماعها ، لأن القرآن يطلب تنزيهه عن الزيادة والنقصان ، وأما قراءة القرآن بالصوت الحسن مع النغمات المعروفة بنحو عشاق مع تجويده على الوجه المشروع فلا حرج فيه ، بل يكسب السامع الخشوع والاتعاظ بكلمات القرآن.... ". 

قال العلامة ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه الإمام أحمد:" القراءة بالألحان، قال القاضي: هي مكروهة، وقال غيره: إن فرط فيها، فأشبع الحركات، حتى صارت الفتحة ألفاً، والضمة واواً، والكسرة ياء حرم، لما فيه من تغيير القرآن، وإن لم يكن كذلك فلا بأس به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجَّع، وقال: ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به ... وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى أبي موسى وقال:" لقد أوتيت مزماراً، من مزامير آل داود" فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع، لحبرته لك تحبيراً.

وذهب السادة الحنفية والشافعية إلى جواز قراءة القرآن الكريم بالألحان والمقامات، بشرط التقيد والالتزام بأحكام التلاوة والتجويد، وعدم إسقاط شيء من الحروف، أو الإفراط في الغنن والمدود، وإلا صار حراماً يأثم فاعله، لأنه عدل به عن نهجه القويم، جاء في فتح القدير في الفقه الحنفي: (وأما القراءة بالألحان فأباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان لا تخرج الحروف عن نظمها وقدر ذواتها فمباح، وإلا فغير مباح).

وجاء في تحفة المحتاج شرح المنهاج في الفقه الشافعي: (ولا - أي لا بأس - بقراءته بالألحان إن لم يفرط فإن أفرط في المد والإشباع حتى ولد حروفاً من الحركات فتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء أو أدغم في غير موضع الإدغام أو أسقط حروفاً حرم ويفسق به القارئ، ويأثم المستمع ويسن ترتيل القراءة، وتدبرها والبكاء عندها)، وقال العلامة الماوردي رحمه الله في الحاوي في الفقه الشافعي: (فأما القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني، فقد اختلف الناس فيها، فرخصها قوم وأباحوها، لرواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن "، وشددها آخرون وحظروها، لخروجها عن الزجر والعظة إلى اللهو والطرب، ولأنها خارجة عن عرف الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.... فإذا أخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته، بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى، فهذا محظور، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: {قرءاناً عربياً غير ذي عوج }[ الزمر:28 ]، وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحاً، لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه).

وقد اتفق الفقهاء على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره، والتي فيها مجاراة لأهل الغناء في غنائهم من التمطيط، والترعيد، والترجيف، والترقيص، والهذرمة، وهذَّ القرآن كهذ الشعر والميلان والمبالغة في المدود بما يخرج القراءة عن شرط الأداء المعتبر عند علماء التجويد والقراءات والتي يكون الغرض منها (التطريب) وإظهار جمال الصوت فحسب، بحيث لا يكون همُّ القارئ سوى الانتقال من هذا اللحن إلى ذاك دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، كما يفعله بعضهم في المحافل القرآنية رغبة في المدح والثناء والهتافات التي لا تليق وحرمة وقدسية وجلال كلام الله عز وجل الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فإن هذا لا يشك أحد في تحريمه، لما فيه من محاكاة أهل المعازف والغناء، حتى يصير التلذذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن.

قال إمام القراء الحافظ ابن الجزري رحمه الله تعالى في النشر في القراءات العشر: (فليس التجويد بتمضيغ اللسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفك، ولا بترعيد الصوت، ولا بتمطيط الشد، ولا بتقطيع المد، ولا بتطنين الغنات، ولا بحصرمة الراءات، قراءة تنفر عنها الطباع، وتمجها القلوب والأسماع، بل القراءة السهلة العذبة الحلوة اللطيفة، التي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسف ولا تكلف، ولا تصنع ولا تنطع، لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء بوجه من وجوه القراءات والأداء)، قال أبو مزاحم الخاقاني رحمه الله:

                       زن الحرف لا تخرجه عن حد وزنه      فوزن حروف الذكر من أفضل البر

وقال الإمام السخاوي رحمه الله:

                            يَا مَنْ يــرومُ تــلاوةََ الـــــقرآنِ     ***      ويـــرودُ شَأْوَ أئمـةَ الإتقــــــانِ
                            لا تحسبِ التجويدَ مَـــدًّا مُفرٍطاً    ***       أوْ مــــدَّ مالا مــدََّ فيـــــه لَـوَانِ
                            أو أنْ تُشـــــدِّدَ بعـد مـــدٍّ همزةً      ***     أوْ أنْ تَلُوكَ الحرفَ كالسّكْرانِ
                            أو أن تَفُـوهَ بهمـزةِ مُتَـهوِّعــــاً    ***       فَـيَـفِـــرَّ سامعُها مـن الغَثيـــانِ
                            للحرفِ ميزانٌ فلا تكُ طـاغـــياً    ***       فـيـه ولا تكُ مُخْسِرَ الميــــزانِ

فالذي يبدو بعد دراسة نصوص وأقوال الفقهاء أن لا بأس بقراءة القرآن بالمقامات لتحسين وتجميل الصوت بالقرآن بشروط ومنها:

1- ألا يتعارض التنغيم مع وقار القرآن وجلاله ومع الخشوع والأدب معه والتدبر والتفكر لآياته العظيمة، أي ينبغي أن لا ينشغل القارئ بتتبع المقام والنغم، والانتقال من مقام إلى غيره، ويهمل التدبر، وينسى التفكر في الآيات التي يقرؤها.

2 - ألا يقرأ على صفة المغنين وعلى طريقتهم فهذا لا يجوز.

3- ألا يطغى المقام على صحة الأداء ولا على سلامة أحكام التجويد، فينبغي تحري الدقة في إتقان الحروف وتجويد الكلمات وتحسين الأداء ومراعاة حسن الوقف والابتداء، والسلامة من اللحن، والمحافظة على مخارج الحروف وصفاتها ومقادير المدود والغنن وغير ذلك من أبواب التجويد.

ومما ينبغي للقارئ الحذر منه ما يلي: الترقيص: ومعناه أن القارئ يرقص صوته وخاصة في المدود فيزيد في حرف المد ما يزيد حتى يكمل طبقة نغمته ولا يبالي بمقدار المد الذي هو في صدد روايته، والترعيد: ومعناه: أن القارئ يرعد صوته وخاصة في الغنن والمدود وكأنه مصاب ببرد أو ألم.

4- أن يكون عند القراءة مرتلاً متخشعاً ليعظم موقعه من القلوب، وتستميل مواعظه النفوس، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله "، أخرجه ابن ماجه. والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    لا بأس بقراءة القرآن الكريم بالمقامات العربية بشرط ألا يتعارض التنغيم مع وقار القرآن وجلاله ومع الخشوع والأدب معه والتدبر والتفكر لآياته العظيمة، وألا يقرأ على صفة المغنين، وألا يطغى المقام على صحة الأداء ولا على سلامة أحكام التجويد، وأن يأتي به مرتلاً متخشعاً، ومشوقاً ليعظم موقعه من القلوب، وتستميل مواعظه النفوس، والله أعلم.