عنوان الفتوى: أهمية الاستقامة في حياة المسلم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أريد منهجية مبسطة لحياة المسلم، لأن هذا الزمن يمر سريعاً ومشاغل الناس كثرت فأصبحنا بحاجة لعلم التخطيط والإدارة، فما هي المنهجية الموصلة لرضا الله سبحانه والعيش السعيد في الدنيا والآخرة؟ أرجو منكم مشايخنا الكرام في هيئتنا الموقرة الإفادة السريعة حتى لا أعيش في تخبط، كل ما أريده أسس المنهج الإسلامي في الحياة؟ وجزاكم الله خيراً.

نص الجواب

رقم الفتوى

8785

11-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حِرصاً، وبارك فيك، واعلم ـ رعاك الله ـ أن منهج الإسلام منهج كامل متكامل، جامع لأحكام الدنيا والآخرة، يشتمل على العقيدة والشريعة، يوازن بين الروح والمادة، يُراعي مصالح الفرد والمجتمع، يحافظ على حقوق الجنسين، ويرعى مصالح الطرفين، عدل في أحكامه، وسط في تشريعاته، نجاة لمن تمسك به، نور يهدي من سار خلفه، أمن وأمان واطمئنان لمن عمل به واتبعه، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[هود:112]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[الحجرات:1].

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم جِماع هذا المنهج الإسلامي في عبارة بسيطة، صغيرة في مبناها، لكنها غزيرة في معناها، جمع فيها أبواب الخير كله في الدنيا والآخرة، فقد روى مسلم عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ -وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ- قَالَ: "قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ"، فهذا أمرٌ نبوي شريف جامع لِمعنى وجوب تصحيح النيات والاعتقاد وتحقيق توحيد الله والإيمان به، وحسن الاتباع وكمال المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه: هَذَا مِنْ جَوَامِع كَلِمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقَامُوا}[فصلت:30]، أَيْ وَحَّدُوا اللَّه، وَآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ اِسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنْ التَّوْحِيد، وَالْتَزَمُوا طَاعَته سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، اهـ ... قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَته: الِاسْتِقَامَة دَرَجَة بِهَا كَمَالُ الْأُمُور وَتَمَامهَا، وَبِوُجُودِهَا حُصُول الْخَيْرَات وَنِظَامهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَته ضَاعَ سَعْيه وَخَابَ جَهْده.اهـ

وقال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (ثم استقم) أي الزم عمل الطاعات والانتهاء عن المخالفات إذ لا تتأتى مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده وانتزاع هاتين الجملتين من آية{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}، وهذا من بدائع جوامع الكلم فقد جمعتا جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقادا وقولا وعملا؛ إذ الإسلام توحيد وهو حاصل بالجملة الأولى والطاعة بسائر أنواعها في ضمن الثانية إذ الاستقامة امتثال كل مأمور وتجنب كل منهي وعرفها بعضهم: بأنها المتابعة للسنن المحمدية مع التخلق بالأخلاق المرضية وبعضهم بأنها الإتباع مع ترك الابتداع وقيل: حمل النفس على أخلاق الكتاب والسنة.اهـ

والذي يعين على حسن الفهم عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم العلماء، لأنهم المبلغون عن الله تعالى والموقعون عنه،  لذا ينبغي مصاحبتهم وسؤالهم والتعلم منهم، والتأدب بأدبهم.

ومن أهم أسس هذا المنهج أن المسلم جزء في جسم المجتمع وعضو من أعضائه فينبغي أن يقوم بدوره تجاه أسرته وأمته ووطنه، من والديه وزوجته وأولاده وإخوانه وأرحامه وجيرانه وزملائه وولاة أمره والمجتمع من بعدهم، حتى يؤدي إلى غيره حقوقهم كما يعرف غيرُه حقه عندهم، وقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"، ومن أهم أسس هذا المنهج المحافظة على الوقت، وذلك بحسن اغتنامه فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    منهج المسلم في حياته الاستقامة  وجِماعه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ"، والله أعلم.