عنوان الفتوى: تعاطي المرأة دواءاً لإدرار اللبن لإرضاع اليتيم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

نعلم فضل كفالة اليتيم في ديننا الإسلامي، وأعلى مراتب هذه الكفالة هو أن تكفله في بيتك وتوفر له أسرة من أب وأم وأخوة، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إرضاع الطفل رضعات تحرمه على أفراد الأسرة نفسها من الجنس المخالف له، وقد توصل العلم إلى ما يمكن معه إدرار اللبن في صدر السيدة باستخدام الأدوية في أي وقت، من الواضح أن هذه الفكرة سوف تقدم حلولاً لعائق نفسي أساسي لبعض الأسر التي تفكر في الكفالة داخل الأسرة وكذلك هناك الكثير ممن حرموا نعمة الإنجاب ويمكنهم الاستعاضة عن ذلك بكفالة يتيم رضيع بدون أي مخاوف نفسية، ما رأي الدين في الكفالة بهذه الطريقة؟ هل تتعارض مع مفهوم الكفالة في الإسلام؟ أو هل تعد تحايلا نظرا لاستخدام مدرات صناعية للبن الأم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

8736

03-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاكِ الله خيراً أيتها الأخت السائلة على سؤالكِ، وزادكِ حِرصاً، وبارك فيك.

واعلمي أن كفالة اليتيم هي من أزكى الطاعات ومن أعظم خصال البِرِّ التي تُقرب من الله تعالى، وهي من أعظم مظاهر التكافل في الإسلام بين أفراد الأمة، وقد رتَّب الشارع الحكيم الأجر العظيم، والثواب الجزيل عليها، فقد رفع الله تعالى منزلة كافل اليتيم الذي يقوم على رعايته وشؤونه، ومنحه شرفاً عظيماً في الجنة وذلك بِقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روى البخاري عن سَهْل بْن سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" .

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: (كَافِل الْيَتِيم) الْقَائِم بِأُمُورِهِ مِنْ نَفَقَة وَكِسْوَة وَتَأْدِيب وَتَرْبِيَة وَغَيْر ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْفَضِيلَة تَحْصُل لِمَنْ كَفَلَهُ مِنْ مَال نَفْسه، أَوْ مِنْ مَال الْيَتِيم بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّة، وَأَمَّا قَوْله:(لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) فَاَلَّذِي لَهُ أَنْ يَكُون قَرِيبًا لَهُ كَجَدِّهِ وَأُمّه وَجَدَّته وَأَخِيهِ وَأُخْته وَعَمّه وَخَاله وَعَمَّته وَخَالَته وَغَيْرهمْ مِنْ أَقَارِبه، وَاَلَّذِي لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُون أَجْنَبِيًّا.اهـ

ولكن الإسلام حرَّم التبني دفعاً لاختلاط الأنساب، فلو أراد بعض المحسنين أن يكفل يتيماً فله ذلك بل هو مأجور على كفالته لأنه من أعظم القُرَب، فلو أراد كافل اليتيم أن تثبت المحرمية بين اليتيم وبين أهل كافله بإرضاعه رضاعاً ينشر المحرمية كوسيلة لرفع الحرج في المستقبل عندما يبلغ اليتيم وكمزيد من إكرامه والاعتناء به فله ذلك، ولكن ينبغي مراعاة ما يلي:

ـ أن يكون اليتيم رضيعاً في سِنِّ الرضاع أي دون الحولين، فقد  اتفق الفقهاء على أن الرضاع المُحَرِّمَ ما وقع في مدته الشرعية وهي سنتان قمريتان من تاريخ الولادة على المفتى به، وتصير المرضعة به أُمَّـاً من الرضاع لمن أرضعته، ويصبح جميع أولادها سواء منهم مَن رضع معه أو قبله أو بعده إخوة وأخوات له من الرضاع، لما ذكر الله تعالى في جملة المحرمات:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}[النساء:23].

ـ ثبوت المحرمية بمجرد حصول اللبن في جوف الرضيع قليلاً كان أو كثيراً، حتى لو لم تكن المرأة مُرضعاً قبل إرضاعه مباشرة، فلو ثار لها لبنٌ فرضع منه ثبتت المحرمية بينهما، فقد ذهب المالكية إلى أن كثير الرضاع وقليله سواء في التحريم، لا فرق بين القطرة والقطرتين يأخذهما الطفل وبين الرضعات الكثيرة المشبعة، قال الإمام مالك رحمه الله: (لبن النساء يحرم على كل حال)، قال العلامة النفراوي في الفواكه الدواني: (قال أبو عمر: المصة الواحدة إذا وصلت إلى الجوف تحرِّم، قاله مالك وأبو حنيفة والليث والأوزاعي والثوري)،

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: (إنَّمَا يَثْبُتُ) الرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ (بِلَبَنِ امْرَأَةٍ )...( بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ) قَمَرِيَّةً تَقْرِيبًا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي الْحَيْضِ وَلَوْ بِكْرًا خَلِيَّةً دُونَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْوِلَادَةَ وَاللَّبَنُ الْمُحَرَّمُ فَرْعُهَا)،أ.هـ

ـ يجوز للمرأة تعاطي بعض الأدوية التي تؤدي إلى إدرار اللبن إذا لم تكن مرضِعاً من أجل أن تقوم بإرضاعه بشرط ألا يترتب على تعاطي هذه الأدوية ضرر صحي بها أو بالرضيع، وإلا فلا ضرر ولا ضرار، ومع ذلك فثبوت المحرمية بين اليتيم الرضيع وبين أهل الكافل لا يشترط فيه أن تكون المرضع هي زوجة الكافل، فإذا كانت المرأة لا يثوب لها لبن وأرادت أن يصير الطفل الذي تكفله محرماً لها، فيمكن تحقيق المحرمية بينهما أن ترضعه أُختها إن كان لها أخت مرضع، فيصير ولد أختها من الرضاع، أو ترضعه زوجة أخيها، فيصير ولد أخيها من الرضاع... وهكذا.

  • والخلاصة

    يجوز لكِ تعاطي بعض الأدوية التي تؤدي إلى إدرار اللبن إذا لم تكوني مرضِعاً من أجل أن تقومي بإرضاع اليتيم بشرط ألا يترتب على تعاطي هذه الأدوية ضرر صحي بك أو بالرضيع، وإلا فلا ضرر ولا ضرار، وتثبت المحرمية بإرضاعكِ إياه، وتكوني أمه من الرضاعة، والله أعلم.