عنوان الفتوى: تداوي المرأة عند الرجل

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كتبت كتابي على فتاة متدينة، تحفظ القرآن وتعلّمه، وتلبس النقاب، ولا تظهر وجهها إلا على المحارم، وهي تدرس في الجامعة بتخصص طب الأسنان، والجامعة غير مختلطة في الدراسة، ولكنها مختلطة بالمدرسين، أي أن الرجال يدرسون النساء. أسئلتي هي: 1) تعاني زوجتي من ألم شديد في أحدى أضراس العقل، ولذلك قررت أن تعالجه عند طبيب من الرجال، لأنها ترى أنه أفضل الموجودين، وأفضل من الطبيبات من النساء، وكما أنها جربت إحدى الطبيبات ولكنها لم تحسن العلاج. ولقد قام طبيب من الرجال بفحصها ومعالجتها، مما اضطرها إلى كشف النقاب عن وجهها وملامسته إيّاها، وأنوه بأن هذا الطبيب أجنبي وليس مسلمًا، وأغلب الظن أنه ذميّ. مما سبق، أسألكم هل يجوز لها ما فعلت من كشف وجهها وملامسة الطبيب الرجل الأجنبي لها مع وجود الحائل (الكفوف)؟ 2) وهل عليها إثم لأنها لم تستأذني فيما فعلت في كشف النقاب وأن يعالجها طبيب رجل؟ وهل يلزمها التوبة؟ 3)وهل يجوز لها كشف وجهها أمام زوج خالتها الكبرى بحجة أنه كبيرٌ في السن (بأول الخمسينات) وبحجة أنه كان يلاعبها منذ صغرها؟ 4) هل يجوز أن تحني أظافرها وأن تخرج دون إخفاء أصابعها، وحتى لو كان ما تذهب إليه هو الجامعة، وأن من حولها هم نساء، وقليلٌ من الرجال؟ أفتونا في مسألتنا بما يفتح الله عليكم من الكتاب والسنة، وبما جاء عن السلف والأئمة، وجزيتم خيراً

نص الجواب

رقم الفتوى

869

01-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

حاصل الجواب: يجوز كشف الوجه للحاجة، ويجوز تداوي المرأة عند الرجل عند عدم وجود المرأة الكفء، وتخفي المرأة زينتها أمام الرجال الأجانب، والخضاب من الزينة الظاهرة المعفو عنها.

والبيان:

فما أحسن أن يحوط المسلم حياته بدينه، ولقد ورد في الأثر :( يا ابن آدم دينك دينك فإنما هو لحمك ودمك)، وندعو الله لك ولزوجتك بالتوفيق والثبات.

فالتداوي من الأمراض من المطلوبات الشرعية، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ).

والأصل أن تعالج المرأةَ امرأةُ مثلها، فإن لم توجد، أو لم تكن النساء بالكفاءة المطلوبة، جاز التداوي عند رجل، مع مراعاة الاعتبارات الشرعية المعروفة، من عدم الخلوة وعدم كشف إلا ما يحتاج إليه حتماً، قال الشيخ الصعيدي في حاشيته على الفواكه الدواني:( وَظَوَاهِرُ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ جَوَازُ كَفِّ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي, وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْحُقْنَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهَا فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الدَّوَاءِ وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ, وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم التَّدَاوِيَ وَأَذِنَ فِيهِ... وَتُحْمَلُ النُّقُولُ الْمُخَالِفَةُ لِهَذَا عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْجَوَازُ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ).

وما فعلته زوجتك بقصد التداوي أمر جائز إذا كان بشروطه:

1- ألا توجد امرأة تقوم بالعلاج سواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة.

2- ألا يحدث ذلك في خلوة.

3- أن تكشف موضع المرض فقط وأن تستر ما عدا ذلك.

4- ومن أهل العلم من اشترط أمانة الطبيب.

قال الشيخ الخطيب الشربيني رحمه الله في مغني المحتاج: ( اعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُرْمَةِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ هُوَ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِمَا. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَالنَّظَرُ وَالْمَسُّ ( مُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ ) وَلَوْ فِي فَرْجٍ لِلْحَاجَةِ الْمُلْجِئَةِ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ حَرَجًا, فَلِلرَّجُلِ مُدَاوَاةُ الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ, وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ).

وأما سؤالك الثاني: فإن المرأة يكفيها الإذن العام من زوجها في سعيها في قضاء حوائجها وخروجها من بيتها، وبما أنها فعلت ذلك بسبب ألم شديد –كما ذكرت أنت في سؤالك- وهي متدينة ملتزمة وتثق في دينها فلا داعي إلى أن تضيق ما وسعه الله، ولعلك تحتاج إلى نصحها فقط ألا تعود لذلك ثانياً، والتمس لها العذر بسبب ألمها، ألهمكم الله الصواب.

وسؤالك الثالث بشأن كشف الوجه فقد تمت الإجابة عليه في الفتوى رقم 471 فارجع إليها، وإن كان كشفها للوجه لاترافقه محاذير شرعية كاللمس والخلوة، وكان مع الأدب والحشمة فلا بأس به.

وسؤالك الرابع حول الحناء: فهو من المعفو عنه إن كان خضاباً، وقد أورد القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظهر منها) [النور/31] أن "ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب" قال ابن عطية: "ويظهر لى بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك".

وأخيراً: نذكرك أيها الأخ الكريم بأن النصوص الشرعية كما طالبت المسلم بالاعتصام بحبل الله تعالى طالبته كذلك بالتيسير وعدم المغالاة، فقد روى الإمام أحمد أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ). وروى البخاري عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا). وروى كذلك: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا).

  • والخلاصة

    يجوز كشف الوجه للحاجة، ويجوز تداوي المرأة عند الرجل عند عدم وجود المرأة الكفء، وتخفي المرأة زينتها أمام الرجال الأجانب، والخضاب من الزينة الظاهرة المعفو عنها.