عنوان الفتوى: الرجوع عن إبراء الدين( التراجع عن المسامحة)

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

احتال علي شخص بأخذ مبلغ مالي برضاي ثم ماطل في استرجاعه فقلت له سامحتك لوجه الله، لكن مع مرور الأيام شعرت بالظلم الواقع علي ومازلت أدعو عليه وأتحسب عليه ولم أسامحه، فما رأيكم بتصرفي؟ وهل يوافق الإسلام على قاعدة القانون لا يحمي المغفلين؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

8533

17-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالمسامحة: وهي إبراء المدين عن الدين من الأمور المبرورة التي يحصل صاحبها الأجر والثواب بنيته، وقد تعددت فيه آراء الفقهاء هل هو تمليك أو إسقاط؟ وأيا كان  فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر كعب ابن مالك أن يسقط شطر دَيْنه عن ابن أبي حدرد، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: "يَا كَعْبُ"، قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا"، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ".

ولذلك فإن المسامحة أمر مبرور؛ فيه الأجر والثواب بإذن الله، وأما التراجع عن إبراء المدين: فأكثر الفقهاء على منعه، وقالوا: لا يصح أن يقول: أبرأتك أي سامحتك إن حصل كذا وكذا، ولكن ظاهر كلامهم أنه إن قيده بصفة معينة بأن قال: سامحت فلانا الفقير أو المسكين، ثم تبين أنه غني، فيجوز لصاحب الدين الرجوع عن هذا الإبراء لعدم تحقق الصفة، جاء في البحر الرائق للعلامة ابن نجيم رحمه الله: (الإبراء عن الدين لا يصح تعليقه إلا إذا علق بموت الدائن، ولم يكن المديون وارثا أو علقه بأمر كائن أو بشرط متعارف).

والذي يظهر أنكِ سامحت هذا الشخص نظراً لحاله وطمعا في الثواب من الله تعالى، فكأنكِ قيدت المسامحة بصفة الحاجة أو المسكنة فيه، ومن الناس من يتسامح مع الفقراء والمساكين فقط ولولا ذلك ما سامح، وعليه فإن كنتِ سامحته بناء على وصف معين أظهره لك كاذبا؛ ثم تبين لك خلافه وأنه قام بخداعك، فيجوز لك الرجوع عن هذا الإبراء، وجاء في كلام بعض الفقهاء ما يشير إلى هذا المعنى ففي المنثور في القواعد الفقهية للعلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله: (لو أظهر شخص الفقر والمسكنة وهو بخلافه فدفع إليه الناس مالا لم يملكه وحرم عليه أخذه).

واعلمي وفقك الله: أن المطلوب منا نحن المؤمنين أن نعامل الناس بالحسنى وحسن الظن، لكن لا نهمل جانب الحذر والحيطة، وطلب الثواب من الله المتعال على ما نقوم به، فإن خُدعنا أو فشلنا لا نحرم الأجر ولا نُعدم الثواب، جاء في أدب الدنيا والدين للإمام الماوردي رحمه الله:( وقد ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان والله أفضل من أن يَخدع، وأعقل من أن يُخدع، وقال عمر: لست بالخب ولا يخدعني الخب)، قال في مختار الصحاح: والخِبُ: بالفتح والكسر الرجل الخداع، والله أعلم.

  • والخلاصة

    إذا كنت قد سامحته على  وصف معين أظهره كاذبا كالفقر أو المسكنة وتبين لكِ أنه خال عن هذا الوصف فيجوز أن تتراجعي عن مسامحته، وإذا كانت المسامحة لوجه الله لا على وصف ودون النظر إلى حاله فليس لك التراجع، وكوني على حذر وحيطة وابتغي في أعمالك وجه الله تعالى، والله أعلم وأستغفر الله.