عنوان الفتوى: الخوف والرجاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

بعد أن هداني الله للطريق الصواب صرت أكثر من قراءة القرآن الكريم لكني عندما اقرأ آيات المتعلقة بيوم القيامة ووصف أهوالها أقف كثيراً وأبكي بشدة وهلع لدرجة أني لا استطيع الإمساك بالمصحف، ثم إني صرت أتقلب كثيراً على الفراش ولا أنام بسهولة وكل تفكيري في يوم الحساب ماذا عساي أن أفعل!؟ والله إني أصلي الفروض والسنن وأقوم الليل واقرأ القرآن ولكن جوفي خائف، مرت علي أيام أصبحت فيها طريحة الفراش والحمى لا تفارقني، والله وددت لو أن أمي لم تنجبني، وددت لو أني كنت طيراً أو شجراً فقط لكي لا أرتكب الذنوب ويعاقبني ربي عليها، أقسم بالله العظيم ما ينسيني وما يلهيني عن هذا التفكير إلا طفلتين مثل الورد أنشغل بهما والعب معهما وأرى فيهما عمري كله، بماذا تنصحوني فضيلتكم وهل ما أعاني منه حالة طبيعية لمسلم يخشى الله عز وجل؟ إضافة إلى أني كرهت طول الأمل والتعلق بزخارف الدنيا الزائفة وزوجي يكلمني عن مشاريعه المستقبلية وهو لا يرى مني تجاوباً معه فيغضب كوني أفكر بالواقع الحاضر، وليس للمستقبل فالمستقبل يعني غداً وغداً علمه عند علام الغيوب.

نص الجواب

رقم الفتوى

8383

20-يناير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي أيتها الأخت الفاضلة أنه تعالى غفور رحيم يحب التائبين ويمدهم بفضله ورحمته؛ ومن ذلك أنه يفغر ذنوبهم ويطهرهم منها بتوبتهم كما قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}[طه82].

بل يقلب سيئاتهم إلى حسنات كما قال سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }[الفرقان70]، ولا يجوز للمسلم أن يستعظم ذنبه استعظاما يحمله على اليأس والقنوط والانطراح على الفراش دون حراك قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[الزمر:53].

أيتها الأخت الفاضلة استشعري أنك صرت قريبة من الله ومحبوبة لديه فأقبلي على طاعته وحبه وحمده وشكره، ووازني بين الخوف من الله ورجائه ولا تغلبي جانب الخوف حتى يوصلك إلى اليأس، وقد قال الله تعالى عن عباده الصالحين من الأنبياء وغيرهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء90]، وجاء في فتح الباري على البخاري رحمه الله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ".

قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرحه: (قوله: باب الرجاء مع الخوف، أي استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها.

واعلمي أن هذا الشعور لا ينبغي أن يدفعك إلى العزلة عن الناس، والمطلوب منك شرعاً أن تقومي بواجباتك وتعيشي حياتك الطبيعية في رضاء الله تعالى. والله أعلم.

  • والخلاصة

    أبشري بتوبة الله وحبه لك ما دمت قد تبت إليه ولا تيأسي من رحمة الله، لأن اليأس والقنوط من كيد الشيطان فهو يريد أن ينقلك من شقاء إلى شقاء والله يريد أن يتوب عليك ويسعدك في دنياك وأخراك.