عنوان الفتوى: تخصيص بعض الأولاد بشيء من العطية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

قام والدي بشراء 3 أراض قبل 15 سنة وسجل كل أرض باسم أبنائه الثلاثة الكبار، وأنا كنت الثالث علما بأننا جميعا 11 أخا وأختا، وقبل سنة شاورت أبي بأن أبيع أرضي وأقوم بشراء أرض ثانية في منطقة أخرى لكي أبنيها وأسكن، فوافق أبي من دون تردد، وقال لي بأنها حلالك، فبعت الأرض واشتريت أرضا ثانية وزدت عليها بعض المال، علماً بأنني لا أعرف مصدر أموال أبي عندما اشترى الأراضي الثلاثة وسألته عن مصدرها وقال لي بأنها من ماله الخاص فما رأيكم بهذا الموضوع وهذه الأرض هل يجوز لي أن أتصرف بها كاملةً، وشكرا لكم.

نص الجواب

رقم الفتوى

8308

31-ديسمبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيجوز أن يتصرف الإنسان بماله ما لم يفقد الأهلية كجنون ونحوه، ولكن ينبغي أن يكون تصرف المسلم في ماله منضبطاً بأحكام الشرع، ومن ذلك العدل بين الأبناء، فإن المفاضلة بينهم لغير سبب مكروهة، وهبة أحدهم دون الآخرين، أو حرمان أحدهم من الإرث، ظلم وجور، وقد روى البخاري عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ رضي الله عنهما قال: سَأَلَتْ أُمِّي أبي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لي من مَالِهِ؛ ثُمَّ بَدَا له فَوَهَبَهَا لي، فقالت: لَا أَرْضَى حتى تُشْهِدَ النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ بِيَدِي وأنا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قال:" أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ"؟ قال: نعم، قال: فَأُرَاهُ قال:" لَا تُشْهِدْنِي على جَوْرٍ"، وقال أبو حَرِيزٍ عن الشَّعْبِيِّ:" لَا أَشْهَدُ على جَوْرٍ".

فإن كان هناك ما يدعو إلى التفضيل أو التخصيص فلا بأس، كأن يكون أحدهم مريضاً، أو أعمى، أو مريضا مرضا مزمنا، أو كان ذا أسرة كبيرة أو طالب علم، ونحو ذلك من الأسباب فلا بأس بتفضيله لشيء من هذه المقاصد.

فلو فضل بعضهم أو وهب لبعضهم دون بعض- دون حاجة - فمذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه مكروه وليس بحرام، والهبة صحيحة.

قال الشيخ الباجي المالكي رحمه الله في المنتقى شرح الموطأ في تعليقه على هذا الحديث: (وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْقَضَاءِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْسَخْهُ، وَإِنَّمَا نَدَبَهُ إلَى ذَلِكَ).

وقال الإمام أحمد رحمه الله : هو حرام، واحتج برواية:" لا أشهد على جور" وبغيرها من ألفاظ الحديث.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: (واحتج الشافعي وموافقوه بقوله صلى الله عليه وسلم:" فأشهد على هذا غيري" قالوا: ولو كان حراماً أو باطلاً لما قال هذا الكلام، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:" لا أشهد على جور"، فليس فيه أنه حرام؛ لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان حراماً أو مكروهاً، وقد وضح بما قدمناه أن قوله صلى الله عليه وسلم:" أشهد على هذا غيري"، يدل على أنه ليس بحرام فيجب تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه، وفي هذا الحديث أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحة وأنه إن لم يهب الباقين مثل هذا استحب رد الأول، قال أصحابنا: يستحب أن يهب الباقين مثل الأول فإن لم يفعل استحب رد الأول ولا يجب)أهـ.

ويذكر الفقهاء أن هذا التصرف يعد من الوالد صحيحا نافذا لكن بشروط:

أولها: أن يحوز الأبناء ما أعطي لهم أو يسجل لهم في السجل العقاري مثلا في حياة أبيهم قبل موته أو مرضه.

ثانيها: أن لا يعترض باقي الأولاد على هذه القسمة في حياة أبيهم، والأولاد الذين لهم حق الاعتراض هم أولئك الذين ما تزال نفقتهم واجبة على أبيهم، كالصغار أو المرضى ونحوهم، أما من لم تجب نفقتهم على أبيهم فليس لهم الاعتراض.

ثالثها: أن لا تكون العطية وقعت في مرض الموت لأنها إذا وقعت في مرض الموت اعتبرها الفقهاء وصية، ولا وصية لوارث، وبالتالي تكون وصية باطلة، قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِلشَّخْصِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، (أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا (مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَضَى بِشَرْطِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضِ الْوَاهِبِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاقِي الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِمْ مَخَافَةَ مُطَالَبَتِهِمْ بِنَفَقَةٍ وَإِلَّا رُدَّتْ)، وقال عن الشرط الثالث: (وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَمِثْلُهَا لَوْ وَقَعَتْ فِي صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ).

 ونشير إلى أن العلماء رحمهم الله استثنوا من كراهة تخصيص بعض الأولاد ما إذا كانت العطية يسيرة فلا كراهة حينئذ في تخصيص بعض الأولاد بالشيء اليسير قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله: (وَأَمَّا) هِبَةُ (الشَّيْءِ) الْقَلِيلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ،).

وكذا لا مانع من أن يقوم الوالد بتقسيم تركته ولكن وفق القسمة الشرعية مراعيا أحكام المواريث، قال العلامة الدردير المالكي رحمه الله في الشرح الصغير: (وَأَمَّا هِبَةُ الرَّجُلِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ فَمَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَالَهُ كُلَّهُ لِأَوْلَادِهِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَإِنْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ).

ننصح الآباء ألا ينسوا أن ترك العدل بين الأبناء يورث الضغائن والحقد بينهم، ويصرف قلوب المحرومين عن البر بهم، وقد أخبرنا الله تعالى في آية المواريث بأنَّا لا ندري في أي أولادنا الخير، يقول تعالى: {آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}[النساء : 11 ].

وينبغي ألا يُقصد بهذا التصرف حرمان الورثة من نصيبهم؛ إذ التركة حقهم الذي فرضه الله سبحانه لهم، قال تعالى:{ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا }[النساء:7].

وقد جاء في عمدة القاري لبدر الدين العيني عن محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله قال:( ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق).

والبر بالآباء والأمهات يوجب على الأبناء احترام والديهم، والحفاظ على تماسك الأسرة، وعدم حل المشكلة عن طريق المحاكم، وإنه ليس من البر اتهام الابن لأبيه بالجنون أو بالسفه من أجل المال! فلو كسب البر بالرضا لحصل على الخير الكثير، والله أعلم.

  • والخلاصة

    تصرف والدك في أرضه صحيح مع الكراهة وبيعك وشراؤك صحيح لكن يُطلب من أبيك إرضاء بقية أولاده وتطييب خاطرهم حرصا على سلامة قلوبهم من الحقد والضغائن بينهم؛ كي لا تنصرف قلوب من حرم منهم عن البر والإحسان إلى أبيهم، والله أعلم.