عنوان الفتوى: الحكمة في جعل الشرع الشريف الإذن بالقصاص أو الدية أو العفو بيد أولياء المقتول

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هي الحكمة من وضع الإذن بالقصاص أو الدية بيد أولياء المقتول وليس بيد المحكمة أو النيابة العامة؟ وهل هناك أي كتب ممكن أن ترشدوني إليها؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

8304

20-يناير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم ـ رعاك الله ـ أن الله تعالى اقتضت حكمته أن يجعل أمر القصاص أو الدية أو العفو بيد أولياء المقتول وهم ورثته الذين يستحقون المطالبة والأخذ بِدمه؛ قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: (قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} أي بغير سبب يوجب القتل، {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ} أي لمستحِق دمه...{سُلْطَاناً} أي تسليطاً إن شاءَ قتل وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدِّية؛ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأشهب والشافعي.أهـ)، وقد جعل الله تعالى الإذن بأخذ الحق للمقتول من القاتل سواء بالقصاص منه أو أخذ الدية أو العفو عنه بيد أوليائه، وهذا في حدِّ القتل دون غيره من سائر الحدود، أما في باقي الحدود فقد أوكل الأمر فيها للسلطان.

والحكمة في هذا لأن أولياء المقتول هم أهل دمه ونسبه وقرابته وهم أَفْجَعُ الناس عليه وأكثرهم حزناً وألماً لما أصابه، وهم أحرص الناس على المطالبة بدمه، فإن وقعت خسارة لأحد بقتل المقتول فقد أصابت أول ما أصابت أهله وورثته، فكان ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاستفادة بإقامة الحد على المقتول ليشفي بالقصاص صدورهم، أو بانتفاعهم بالدية عِوضاً عما لحقهم من فقد المقتول وتسلية لهم عن ضياعه وسفك دمه وإزهاق روحه، أو يكونوا أكثر الناس نيلاً للثواب والأجر عندما يؤثروا العفو عن القاتل دون القصاص أو الدية.

وقد أراد  الشرع الشريف أن يرغبهم في العفو فهو أقرب للتقوى فجعل الإذن بأحد الثلاثة إليهم، قال الإمام القاضي ابن العربي المالكي رحمه الله في أحكام القرآن: (إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ رَدْعًا عَنْ الْإِتْلَافِ، وَحَيَاةً لِلْبَاقِينَ؛ وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِجَمِيعِ النَّاسِ، كَالْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ عَنْ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا، حَتَّى لَا يَخْتَصَّ بِهَا مُسْتَحِقٌّ، بَيْدَ أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْقِصَاصَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَجَعَلَهُ لِلْأَوْلِيَاءِ الْوَارِثِينَ، لِيَتَحَقَّقَ فِيهِ الْعَفْوُ الَّذِي نُدِبَ إلَيْهِ فِي بَابِ الْقَتْلِ، وَلَمْ يُجْعَلْ عَفَوَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، لِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَقُدْرَتِهِ النَّافِذَةِ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ"، وَكَانَتْ هَذِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ خَاصِّيَّةً أُعْطِيَتْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، تَفَضُّلًا وَتَفْضِيلًا، وَحِكْمَةً وَتَفْصِيلًا، فَخُصَّ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ، لِيُتَصَوَّرَ الْعَفْوُ، أَوْ الِاسْتِيفَاءُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُزْنِ.أهـ).

وإن أردت المزيد فراجع هذا في كتب أحكام القرآن وتفسيره، مثل أحكام القرآن، والأم للإمام الشافعي، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن للكيا الهراسي، وتفسير القرآن للقرطبي، والله تعالى أعز وأحكم، وبخلقه أعلى وأعلم.

  • والخلاصة

    الحكمة في هذا لأن أولياء المقتول هم أَفْجَعُ الناس عليه وأكثرهم حزناً وألماً لما أصابهم، فكان ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاستفادة بإقامة الحد على المقتول ليشفي بالقصاص صدورهم، أو بانتفاعهم بالدية عِوضاً عما لحقهم من فقد المقتول، أو يكونوا أكثر الناس نيلاً للثواب والأجر عندما يؤثروا العفو عن القاتل دون القصاص أو الدية، والله أعلم.