عنوان الفتوى: تخصيص بعض الأبناء بالعطية

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

توفى أب عن زوجتين وتسعة أولاد وخمسة بنات، قام الأب في حياته بتسجيل قطعة زراعية لاثنين من أبنائه الذكور ونصف حوشة (مزرعة) لآخر من أبنائه الذكور، كان ذلك قبل خمس عشرة إلى عشرين سنة من وفاته، قبيل وفاته ببضع سنوات قام بتوزيع عدد 2 حواشة (مزرعة) أربعة من أبنائه، لكل منهم نصف حواشة، أي أنه حتى الآن لم يعط أي من بناته الخمسة ولم يعط أربعة من أبنائه الذكور، وأعطى أحد أبنائه بقرتين أو ثلاثة، هذه القسمة انطوت على عدم رضا من بعض الأبناء الذين لم يعطوا وكذلك بعض البنات ولكن منعهم الحياء والتقاليد أن يفصحوا عن عدم رضائهم وعدم ارتياحهم في وقته، بعد وفاة الأب بدأ بعضهم يطالب بحقه في الميراث، مما حدا بأحد الأبناء الذين أعطوا نصف حواشة بقسمتها بينه وبين أحد أخوته، والآن زادت مطالبة الأبناء والبنات بحقهم في الميراث، وقد امتنع ثلاث من الذين يمتلكون الأراضي من التنازل لإخوتهم وأخواتهم من الذين لم يعطوا، وبدت بينهم خصومة شديدة امتدت لدرجة العداء وانقطاع الصلة بينهم تماما، ولم تفلح المحاولات العديدة التي قام بها الأهل والأقارب للوصول معهم إلى حل يقوم على أساس التوزيع الشرعي للورثة أو على أساس التراضي فيما بينهم، السؤال: هل يعتبر التوزيع الذي تم بحياة والدهم صحيحا، أو جائزا من الناحية الشرعية؟ وهل على أبيهم شيء؟ إذا كان التوزيع أعلاه غير جائز، كيف يتم حصر الإرث للمتوفى، علما بأن زوجتيه قد توفيتا بعد وفاته؟

نص الجواب

رقم الفتوى

8229

31-ديسمبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيرا وأحسن إليك، بخصوص سؤالك الأول وهو هل يعتبر توزيع الأب للمال في حياته بإعطاء بعضهم وحرمان الأخر صحيحا؟ فالجواب عليه: أنه يعتبر صحيحا لكن بشروط:

أولها: أن يحوز الأبناء ما أعطي لهم في حياة أبيهم قبل موته أو مرضه.

ثانيها: أن لا تكون العطية وقعت في مرض الموت لأنها إذا وقعت في مرض الموت اعتبرها الفقهاء وصية، ولا وصية لوارث، وبالتالي تبطل هذه الوصية، قال العلامة النفراوي المالكي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (وَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِلشَّخْصِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا مَالَهُ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَضَى بِشَرْطِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضِ الْوَاهِب).

فإذا توفرت هذه الشروط فإن ما فعله والدكم ماض مع كراهة إقدامه عليه ابتداء، قال الإمام النووي رحمه الله في صحيح مسلم شارحا لحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه (...وَفِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ هِبَة بَعْض الْأَوْلَاد دُون بَعْض صَحِيحَة، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَهَب الْبَاقِينَ مِثْل هَذَا اُسْتُحِبَّ رَدّ الْأَوَّل؛ قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ يَهَب الْبَاقِينَ مِثْل الْأَوَّل؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَل اُسْتُحِبَّ رَدّ الْأَوَّل، وَلَا يَجِب.

وأما بخصوص السؤال الثاني: وهو هل على أبيهم شيء؟ فالجواب هو: أنه ارتكب مكروهاً، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم استحباب العدل بين الأولاد، ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْت اِبْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُلَّ وَلَدك نَحَلْته مِثْل هَذَا؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَارْجِعْهُ) وَفِي رِوَايَة: قَالَ: (فَارْدُدْهُ) وَفِي رِوَايَة: (فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلّهمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اِتَّقُوا اللَّه، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَة)، َفِي رِوَايَة: (قَالَ فَلَا تُشْهِدنِي إذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَد عَلَى جَوْر)، َفِي رِوَايَة (لَا تُشْهِدنِي عَلَى جَوْر) وَفِي رِوَايَة: قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) وَفِي رِوَايَة: (قَالَ فَإِنِّي لَا أَشْهَد) وَفِي رِوَايَة: قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُح هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَد إِلَّا عَلَى حَقّ)،

قال الإمام النووي رحمه الله: (وَقَدْ وَضَحَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَيَجِب تَأْوِيل الْجَوْر عَلَى أَنَّهُ: مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه، ونشير إلى أن العلماء رحمهم الله استثنوا من كراهة  تخصيص بعض الأولاد ما إذا كانت العطية يسيرة فلا كراهة حينئذ في تخصيص بعض الأولاد بالشيء اليسير قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله: (وَأَمَّا) هِبَةُ (الشَّيْءِ) الْقَلِيلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ،)، والله أعلم.

  • والخلاصة

    إذا حصل النزاع في المسألة فالمرجع فيها المحكمة والقضاء الشرعي مع العلم أنه يكره كراهة تنزيه للآباء تخصيص بعض أبنائهم بالعطايا دون البعض الآخر، وإذا ارتكب الأب المكروه وخص بعض أبنائه بعطايا دون بعض، مضت هذه العطية بشرط أن يحوز الأبناء ما أعطي لهم في حياة أبيهم، وعدم اعتراض الأبناء على هذه القسمة في حياة أبيهم، وأن لا تكون هذه العطية وقعت في مرض الموت، فإذا اختل واحد من هذه الشروط لا تنفذ العطية، والله أعلم.