عنوان الفتوى: حكم التمثيل

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم التمثيل في المسرحيات والسينما...الخ؟ هل يمكن القول بأن تمثيل شخصيات غير المسلمين ممنوع في ضوء الحديث:"من تشبه بقوم فهو منهم"؟

نص الجواب

رقم الفتوى

8124

11-فبراير-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

والتمثيل: هو إجراء بعض المشاهد التعبيرية لإيصال فكرةٍ ما إلى أذهان المشاهدين؛ أو هو حكاية لشخصيات ذات أحداث وقعت، أو أحداث متخيَّلة في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهو أسلوب للتثقيف والترفيه.

وقد اتفق العلماء على أن التمثيل إذا اشتمل على محظور فحرام، لا نزاع بين أهل العلم في تحريمه، كما ذهبوا أيضاً إلى أنه لا يجوز تمثيل شخصيات الأنبياء والملائكة عليهم السلام، أما ما دون ذلك فقد اختلف فيها العلماء بين المنع منه مطلقا؛ وبين إباحته ولكن بضوابط شرعية.

فأما القائلون بالإباحة، فقالوا: إنه من باب المحاكاة لتصوير قصة حصلت، أو تقريب فكرة معنوية بطريقة حسية، والمحاكاة من هذا الباب جائزة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

ـ قصة الأقرع والأعمى والأبرص، وهي قصة صحيحة ثابتة، ووجه الدلالة أن الملك قد جاء في حالة تخالف ما هو عليه حقيقة، ليتحقق بذلك مقصد شرعي، واستدلوا على جواز المحاكاة بفعله صلى الله عليه وسلم لتصوير أمر، أو قصة حصلت للسامعين له والناظرين إليه.

فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال "كانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل، فمرًّ بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه"، قال أبو هريرة:" كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يمص إصبعه، قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري عند هذا الموضع (كتاب أحاديث الأنبياء) باب قول الله: {واذكر في الكتاب مريم..}[مريم:16]، فيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل.أهـ، إلا أن القائلين بالجواز قيَّدوا جواز التمثيل بضوابط، منها:

ـ أن تكون هذه الأعمال من المسلسلات أو ما شابهها من المسرحيات تشتمل على قصص هادفة، وتدعو إلى مكارم الأخلاق.

- ينبغي أن يكون لها نصيب وافر من الصدق والواقع، وقد روى الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. عن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ"، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا.ً

ـ مراعاة اجتناب ما اتفقوا على المنع من تمثيله كتمثيل شخصيات الملائكة والأنبياء عليهم السلام.

ـ ضبط الأعمال التمثيلية التي تتعلق بتمثيل شخصيات الخلفاء الراشدين وآل البيت وأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام رضي الله عنهم، بالضوابط الشرعية من اختيار أشخاص يقومون بالتمثيل يتصفون بحسن السيرة والاستقامة ولهم شهرة في عالم التمثيل وواقع اجتماعي حسن، بحيث من رآهم في هذا التمثيل انعكس المعنى الطيب في نفس المشاهد، وأن يراعى معرفة قدر الصحابة ومكانتهم، وألا يكون في العمل ما ينتقص من قدرهم أو يدعو إلى الاستخفاف بهم أو يدل على امتهانهم.

ـ اجتناب التمثيل المشتمل على محظور حتى وإن قِيل إن فعل المحظور هو لتصوير حال بعض الناس وليس المراد من ذلك حقيقة ما يُعمل، بل هو تمثيل، لأن الغاية لا تبرِّر الوسيلة، والغاية يمكن التوصل إليها بطرق مشروعة، كحكاية الخبر بالأسلوب المقروء أو المسموع.

ـ يجوز تمثيل الشخصيات التاريخية التي يصور حياتها بالقول والفعل، أي بالكلمة والحركة، إن كان صادقا شكلا وموضوعا، ويستهدف غرضا شريفا ، ويعطى حكم الخبر الصادق، وأما إن كان غير صادق في شكله كيفا أو كمًّا، أو في موضوعه قولا أو فعلا أعطى حكم الخبر الكاذب وهو المنع، ولا يستباح هذا الكذب حتى لو كان الغرض صحيحا، فهو ليس من الضرورات التي تباح من أجلها المحظورات .

ـ يجوز تمثيل الشخصيات الاختراعية أو الرمزية، كما هو الشأن في القصص الذي لا يعنى شخصا معينا، وقد يكون على لسان بعض الحيوانات كما في كتاب " كليلة ودمنة " إذا كان الهدف صحيحا، والمادة لا تحوى أمرا محظورا، والأداء نفسه يكون ملتزما بالآداب الإسلامية، ولم يؤد تعلمه أو احترافه إلى تقصير في واجب أو ضرر بدني أو عقلي أو مالي أو خلقي أو غير ذلك من الأضرار، لأنه يستعان به على إبراز المعاني بصورة محسوسة كأنها حقيقية .

ـ أن يضبط كتابة النصوص الواردة في هذه الأعمال، وخاصة النصوص الدينية والتاريخية بحيث يكتب بصدق وأمانة مع مراجعة أهل الاختصاص من علماء الشريعة والتاريخ الإسلامي وذلك احترازاً من تحريف الشرع الشريف أو تزوير الحقائق والأحداث والوقائع التاريخية.

وهذه الضوابط المذكورة هي قيود دقيقة لضبط التمثيل المقبول من غيره، والخروج على أي واحد منها يجعله ممنوعاً بقدر ما يكون عليه الخروج من حرمة أو كراهة، ولعل القول بالجواز أقوى إذا خلا عن المحاذير الشرعية المذكورة، لاسيما إن كان يترتب على ذلك مصلحة شرعية، ولأن الأصل في الوسائل الإباحة ما لم يثبت ما يفيد التحريم، والله تعالى أعلى وأعلم، وأعز وأحكم.

 

  • والخلاصة

    نميل إلى القول بجواز التمثيل إذا كان منضبطاً  بالضوابط الشرعية، وخلا أيضاً عن المحاذير المذكورة، لاسيما إن كان يترتب على ذلك مصلحة شرعية، ولأن الأصل في الوسائل الإباحة ما لم يثبت ما يفيد التحريم، والله تعالى أعلى وأعلم، وأعز وأحكم.