عنوان الفتوى: حكم العزل

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

وردني بأن عزل المني عن الزوجة وقت الجماع حرام أي يجب على الزوج قذف المني داخل زوجته؟ فهل هذا صحيح؟

نص الجواب

رقم الفتوى

8081

17-ديسمبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، واعلم رعاك الله أن ما سألتَ عنه هو ما يُعرف عند العلماء بِالعَزْل، وهو الإنزال خارج الفرج بعد النزع منه، لا مطلقاً، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: الْعَزْل هُوَ أَنْ يُجَامِع فَإِذَا قَارَبَ الْإِنْزَال نَزَعَ وَأَنْزَلَ خَارِج الْفَرْج، أهـ.

والعزل هو وسيلة من وسائل منع الحمل في زمانهم، فلم يكن لديهم من الوسائل الأخرى التي تمكنهم من منع الحمل غير هذا، والحكمة منه واضحة وهو منع الحمل لغرضٍ ما، كأن يكون الزوجان في سفر يخشى فيه على المرأة من تجشم متاعب الحمل والولادة، أو خوف هذا في الحضر أيضاً، أو مراعاة لظروفها الصحية أو لِيُحدَّ من زيادة الولد بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

ومع ذلك فمن المعاشرة الطيبة بين الزوجين ألا يعزل الرجل عن امرأته الحرة بغير إذنها، فيكره العزل بالاتفاق بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل يفوت الولد،

ويفوت أمر آخر أكثر أهمية وهو الوصول إلى ارتياح المرأة وانطفاء نار شهوتها، فإن من رحمة الله تعالى أن جعل هذا الأمر بين الزوجين ليطفئ كل منهما شوق الآخر، ونارا لشهوة متأججة لدى المرأة لا يطفئها إلا ماء الرجل، وبها تتمُّ العِفة للمرأة، وهو مطلوب شرعاً، وقد حظر الشرع هذا الأمر إلا بإذنها واختيارها لأنه حقها الذي تريد الوصول إليه، وقد جعل الله تعالى في طيِّ هذا الأمر حصول الولد وهو من ثمرات الرحمة الإلهية، وهي المودة والرحمة التي عناها الله تعالى في قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الروم:21]

وقد اختلف العلماء في جوازه، فذهب الجمهور ـ ومنهم السادة المالكية ـ إلى القول بجوازه بشرط إذن الزوجة

قال الإمام المواق المالكي رحمه الله في التاج والإكليل: قال ابْنُ عَرَفَةَ : الْمَعْرُوفُ جَوَازُ الْعَزْلِ وَشَرْطُهُ عَنْ الْحُرَّةِ إذْنُهَا ...اهـ، واستدل القائلون بجواز العزل بما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ فَقَالَ: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا " فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ فَقَالَ "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا"، وروى مسلم أيضاً عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ:كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، زَادَ إِسْحَاقُ قَالَ سُفْيَانُ لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ، وفي رواية أخرى عند مسلم: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَنْهَنَا.

وذهب بعض العلماء إلى القول بالكراهة مطلقاً لما يترتب عليه من قطع النسل، واستدلوا بما رواه مسلم أيضاً عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ رضي الله عنها قالت: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا" ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ".

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم عن الْعَزْل: وَهُوَ مَكْرُوه عِنْدنَا فِي كُلّ حَال وَكُلّ اِمْرَأَة سَوَاء رَضِيَتْ أَمْ لَا لِأَنَّهُ طَرِيق إِلَى قَطْع النَّسْل، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر تَسْمِيَته (الْوَأْد الْخَفِيّ) لِأَنَّهُ قَطْع طَرِيق الْوِلَادَة كَمَا يُقْتَل الْمَوْلُود بِالْوَأْدِ ....اهـ

وظاهر الحديثين التعارض ، وقد جمع بينهما الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم فأزال الإشكال ورفع التعارض، حيث قال رحمه الله : ... هَذِهِ الْأَحَادِيث مَعَ غَيْرهَا يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي النَّهْي مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه وَمَا وَرَدَ فِي الْإِذْن فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْي الْكَرَاهَة .اهـ

وبناءاً على ما سبق فالعزل مشروع على كل حال طالما دعت الحاجة إليه، والاحتياط استئذان الزوجة في العزل خروجاً من خلاف الفقهاء، كما لا يجب عليه أن يقذف ماءه داخل الفرج، ومع هذا فقد تطورت وسائل العزل في زماننا مثل الحبوب المانعة للحمل وكذا جهاز اللولب، وصار بإمكان الرجل أن يعزل دون أن ينزع عن زوجته، وبهذه تحصل المقاصد وتنتفي المحظورات. والله أعلم.

  • والخلاصة

    العزل مشروع على كل حال طالما دعت الحاجة إليه،ولكن  باستئذان الزوجة، والله أعلم.