عنوان الفتوى: حكم النذر المعلق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

عندما حصلت على شهادة البكالوريا نذرت أنه إن وفقني الله وأصبحت معلماً أن أتصدق بنسبة هامة من مرتبي عن كل شهر مدى الحياة، وقد وفقني الله ودرست في الجامعة وأصبحت معلماً وأنا الآن أدرس منذ سنتين ونصف وأفي بنذري، لكنني سمعت من المشايخ أن هذا النوع من النذور مكروه وهو لا يأتي بخير، وأنا في حيرة هل أستمر أم لا ؟ فبماذا تنصحونني ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

800

28-مايو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

جزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على حرصك على تعلم أمور دينك، وزادك علماًً، وبارك فيك، ووسع عليك.

واعلم أخي أنه قد اتفق الفقهاء على جواز تعليق النذر بالشرط، ولا يجب الوفاء قبل حصول المعلق عليه؛ لعدم وجود سبب الوفاء، فمتى وجد المعلق عليه وجد النذر ولزم الوفاء به، فيلزمك الوفاء بنذرك بأقل ما يتصور من المال وإن قدر هذه النسبة الهامة من راتبك راجعة إليك معرفة وتقديراً ولا نستطيع إلزامك بمبلغ معين لعدم وقوفنا على نيتك, والقول بكراهة النذر مبني على ابتداء النذر لا على الوفاء به, لأن الوفاء به واجب شرعاً.

وقد استدل أهل العلم على وجوب الوفاء بالنذر بأدلة كثيرة، من ذلك:

قوله تعالى :{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } (29) سورة الحـج

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَنَجَّاهَا اللَّهُ فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ فَجَاءَتْ ابْنَتُهَا أَوْ أُخْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا . رواه أبو داود والنسائي.

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ ) رواه البخاري وغيره.

وقد كره بعض العلماء النذر المعلق على وقوع شرط لأنه لم يخلص من شائبة العوض حيث جعل القربة في مقابلة الشفاء ولم تسمح نفسه بها بدون المعلق عليه، بخلاف النذر المنجز فإنه تبرع محض بالقربة لله تعالى، وإلزام للنفس بما عساها لا تفعله بدونه فيكون قربة.

وتردد المالكية في كراهته، قال الشيخ الدردير المالكي : وفي كُره المعلق كإن شفى الله مريضي أو إن رزقني كذا فعليَّ صدقة بدينار لأنه كأنه أتى به على سبيل المعاوضة لا القربة المحضة، تَرَدُد . اهـ الشرح الكبير

لكنهم قالوا بكراهة النذر المكرر خوف فوات الوفاء به لثقله، قال الشيخ الدردير المالكي : وكُره المكرر كنذر صوم كل خميس أي الإقدام عليه وإن كان قربة لثقله عند فعله فيكون إلى عدم الطاعة أقرب ولخوف تفريطه في وفائه . اهـ الشرح الكبير

 

وذهب الحنابلة إلى القول بكراهته مطلقاً، قال الشيخ ابن ضويان الحنبلي في منار السبيل: النذر وهو مكروه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، لحديث ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال : (إنه لا يَرُدُّ شيئاً وفي لفظ لا يأتي بخير ، وإنما يستخرج به من البخيل) رواه الجماعة إلا الترمذي . والنهي للكراهة، لا التحريم، لأن الله تعالى مدح الموفين به.اهـ

 

وفيه وجهان عند الشافعية، ورجح ابن الرفعة أنه قربة، وليس مكروهاً.

قال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي : وفي كونه قربة أو مكروهاً خلاف، والذي رجحه ابن الرفعة أنه قربة في نذر التبرر دون غيره، وهذا أولى ما قيل فيه. اهـ الإقناع

لكن جمهور الفقهاء اتفقوا على أنه إذا حصل الشرط المُعَلَّق عليه لزمه الوفاء بما ألزم به نفسه من النذر.

قال الإمام الخرشي المالكي : وَمَعَ كَوْنِ الْمُكَرَّرِ مَكْرُوهًا فَهُوَ لَازِمٌ ... وَإِذَا لَزِمَ الْمُكَرَّرُ فَأَحْرَى الْمُعَلَّقُ، لِأَنَّ الْمُكَرَّرَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَالْمُعَلَّقُ مُخْتَلَفٌ فِي كَرَاهَتِهِ . اهـ شرح مختصر خليل

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي : اعلم أن المذكور في كتب ظاهر الرواية أن المعلق يجب الوفاء به مطلقاً، أي سواء كان الشرط مما يراد كونه، أي يطلب حصوله كإن شفى الله مريضي، أو لا. اهـ حاشية ابن عابدين

وقال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي : نذر المجازاة ، وهو نوع من التبرر وهو المعلق بشيء بقوله ... ويلزمه بعد حصول المعلق عليه من ذلك أي من أي نوع التزمه عند الإطلاق ما يقع عليه الاسم منه . اهـ الإقناع

قال الشيخ ابن ضويان الحنبلي : نذر تبرر ... بقصد التقرب غير معلق بشرط، فيلزم الوفاء به في قول الأكثر. أو يُعلِّق ذلك بشرط حصول نعمة، أو دفع نقمة ، كـ : إن شفى الله مريضي، ... فعليَّ كذا، فهذا يجب الوفاء به إذا وجد شرطه . نص عليه . اهـ منار السبيل

  • والخلاصة

    النذر المعلق وإن كرهه الحنابلة وتردد المالكية واختلف الشافعية فيه، لكن اتفق الجمهور على وجوب الوفاء بالنذر المعلق على شرط بتحقق وقوعه، فيلزمك الوفاء بنذرك، والله أعلم .