عنوان الفتوى: حكم تبرع الإنسان بأجزائه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ماهو حكم التبرع بالأعضاء ؟ وهل يجوز أخذ أعضاء المتوفين بوصية أو بغيرها ؟ وماذا بالنسبة للمحكوم عليهم بالإعدام ؟ وماذا بالنسبة للمشوهين من الأطفال وغيرهم الذين لا يرجى شفاؤهم ؟ وماذا بالنسبة للتبرع بالدم ؟ وما هي صفة حرمة النفس البشرية ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

799

05-مايو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن جعل في الشريعة الإسلامية من المرونة مايستطيع الزمان والمكان أن يتكيفا معها ، فلا يوجد حادثة إلا وكان الشرع سباقاً للحكم فيها وبيان خيرها وشرها وصالحها وفاسدها ، ومن جملة هذه الأمور زراعة الأعضاء، وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي في هذه الحادثة، وخرج بالقرار التالي:" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادى الآخرة 1408 الموافق 6 – 11 شباط ( فبراير ) 1988م، بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع أمر واقع فرضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة، والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسته من دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التعاون والتراحم والإيثار، وبعد حصر هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث وتنضبط تقسيماته وصوره وحالاته التي يختلف الحكم تبعاً لها، قرر ما يلي:

من حيث التعريف والتقسيم:

أولاً: يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين. سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.

ثانياً: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.

ثالثاً: تنقسم صورة الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:

1. نقل العضو من حي.

2. نقل العضو من ميت.

3. النقل من الأجنة.

الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:

‌أ- نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.

‌ب- نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر. وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.

أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فردياً، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكف والثاني كالكلية والرئتين، وأما مالا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والمورثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.

 

الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت:

ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:

الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه طبياً.

الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً. فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة[2].

 

الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:

حالة الأجنة التي تسقط تلقائيا.

حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.

حالة "اللقائح المستنبتة خارج الرحم".

من حيث الأحكام الشرعية:

أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.

 

ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

 

ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.

 

رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

 

خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.

 

سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

 

سابعاً: وينبغي ملاحظة: أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.

 

أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.

 

ثامناً: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية " ا.هـ .والله أعلم .

 

وعلى هذا أخي الكريم : فالتبرع بالأعضاء أمرٌ في غاية الإنسانية ولكن لابدَّ من وجود ضوابط حتى لا يؤدي الأمر إلى الفساد في الأمة والمجتمع فأول هذه الشروط : أن يكون النفع متوقعاً وهو أكثر من الأضرار المترتبة على التبرع وإلا كان عبثاً وحراماً ، وأن لا تكون حياة الشخص المتبرع متوقفةً على هذا العضو كالقلب مثلاً أو أن يؤدي التبرع إلى تعطيل وظيفة أساسية ، وكذلك أن يكون الشخص كامل الأهلية وإلا حرم ، وألا يباع هذا العضو بيعاً لأن الإنسان مكرمٌ لا يباع ولا يشترى ولا تساويه كنوز الدنيا ولا أموالها ولا كل مافيها ، أما إذا أراد المستفيد إكرام الشخص فلا بأس في ذلك دون شرطٍ أو تحديد. والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    التبرع بالأعضاء جائزٌ بالشروط المذكورة سابقاً، ويجوز أخذ أعضاء المتوفى بوصيته أو بإجازة الورثة بعد موته ، وكذلك بالنسبة لمن حكم عليه بالإعدام لا يجوز أخذ عضو من أعضائه بعد إعدامه إلا بموافقته أو إجازة ورثته من بعده أما قبل إعدامه فحكمه حكم أي شخص يجوز له التبرع بإذذنه بالشروط المذكورة سابقاً، وأما التبرع بالدم فجائز لأنه متبدلٌ متغيرٌ بشرط رضاه وموافقته والله تعالى أعلم .