عنوان الفتوى: حكم اعتماد الدولة لمذهب فقهي معين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم اعتماد الدولة لمذهب فقهي معين، واختياره مصدراً رسمياً للفتاوى والقوانين، وما الأدلة على ذلك؟

نص الجواب

رقم الفتوى

78238

13-ديسمبر-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 بارك الله فيكم ووفقكم وزادكم علما وفقها في الدين، فاعلمي أختي السائلة: أنه يجوز اعتماد مذهب فقهي معين؛ يأخذ به أهل البلد في فتاويهم ويكون مصدرا لما أمكن من قوانينهم؛ وقد دلت على ذلك الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية، ونقدم بين يدي أدلة ذلك التنبيه على أمور مهمة محيطة بهذا الموضوع تضبط حدوده وتبين المقصود منه:

الأمر الأول: إن هذه المذاهب الفقهية القائمة إنما كُتب لها القبول بين الناس؛ لأنها تعايشت مع أحوالهم، وسعت إلى التماس الحلول لعاداتهم وأعرافهم وشؤونهم؛ فليس فيها إرغام للناس بما لم يألفوه ولا ينبغي ذلك؛ فقد عرض أبو جعفر المنصور على الإمام مالك أن يحمل الناس في جميع البلدان على الموطأ فأجابه: بأن يُقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم؛ فقد أخرج  ابن عبد البر في الجامع بسنده عن مالك بن أنس قال: «لما حج أبو جعفر المنصور، دعاني فدخلت عليه، فحادثته وسألني فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت - يعني:  الموطأ- فتنسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المُحْدَث؛ فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وأن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم». فإرغام الناس بما لم يعرفوا ولم يألفوه فيه مشقة عليهم.

الأمر الثاني: أنه إذا كان الإفتاء في بلد على مذهب معين؛ كأن تكون الفتوى في باب العبادات على مذهب الإمام مالك رحمه الله، فينبغي للمفتي أن يبين للسائل أن هذا الحكم على مذهب مالك؛ فإذا اقتنع برأي مذهب آخر فلا حرج عليه في هذه الحالة أن يعمل بذلك في خاصة نفسه، ولا يحمل عامة الناس عليه ويدعوهم إليه، لأن ذلك يشوش عليهم ويحدث الفتنة بينهم؛ وهذا في مسائل الاجتهاد، والفتوى إنما هي (الإخبار عن حكم شرعي لا على وجه الإلزام) كما ذكر الحطاب في المواهب.

الأمر الثالث: أما بالنسبة للقوانين والاعتماد فيها على مذهب معين فالعبرة في ذلك بما يُصلح أمور الناس ويحقق مقاصدهم ويتوافق مع الأصلح لهم؛ لأن الالتزام في كل القوانين بمذهب معين قد يؤدي إلى الحرج؛ ولا سيما وقد تطورت أمور الناس وحدثت لهم أحداث وقضايا، واستجدت نوازل كثيرة؛ والفقه يقتضي التيسير والتسهيل على الناس؛ فما وافق من القوانين المذهب المعتمد في البلد فبها ونعمت، وما لم يتوافق معه فالعبرة بما يقيم أمور الناس ويحفظ عليهم حقوقهم وييسر قضاياهم.

إذا عرفنا هذه المقدمات وتبين لنا ما تقدم من التوضيحات فنذكر بعض الأدلة الدالة على جواز التزام مذهب معين؛ فمن ذلك:

أولا: أن الغالبية العظمى من المسلمين في كل بلد ليست لهم قدرة على الاجتهاد، ولا يملكون أدواته، ولا يحسنون التعامل مع النصوص الشرعية، فيجب على هذا الصنف اتباع أحد المذاهب الأربعة؛ وهذا واجب العامي المقلد؛ والدليل على ذلك قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]. ولهذا فقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على وجوب اتباع أحد المذاهب الأربعة للعامي المقلد: يقول النفراوي في الفواكه الدواني: (وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وعدم جواز الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى؛ لعدم حفظ مذاهبهم؛ لموت أصحابهم وعدم تدوينها).

ثانيا: أن كل بلد من بلاد الإسلام اختار أهله مذهبا من هذه المذاهب الأربعة وسار عليه علماؤه في التفقه، وأصبح هذا المذهب جزءا من ثقافته وما عليه العمل في بلده، سواء في العبادات أو الأعراف والعادات، فعلى هذا فلا يجوز لعامة الناس الخروج عن المذهب الذي أجمع عليه أهل ذلك البلد؛ لما في ذلك من إثارة الاختلاف والشذوذ، وقد أمرنا الشرع بلزوم الجماعة وعدم الشذوذ عنها.

ثالثا: أن اختيار الدولة لمذهب معين والتوجيه بجعله مصدرا للفتوى والقضاء والقانون؛ يوجب ذلك على كل فرد من الأفراد طاعته والانقياد إليه؛ لأن ذلك من طاعة ولي الأمر التي هي طاعة لله تعالى وقد أمرنا الله تعالى بها في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. 

رابعا: أن اجتماع أهل بلد على مذهب معين واتباعه ورجوع مجتهديهم إلى أصوله وقواعده في وقائعهم ونوازلهم المستجدة مما تقتضيه المصالح العامة، والدواعي إليه قائمة، وحمل الناس على مذهب معين فيه تحقيق مصالحهم ويحافظ ذلك على وحدتهم الثقافية والوطنية، ويقيهم التحزب والتفرق والتشرذم، ويبعد عنهم الشذوذ والاختلاف والتنازع، وبتحقيق هذه المقاصد تقام الدول وتصان مكتسباتها، وهذه المذاهب الفقهية إنما هي طرق ووسائل لفهم الشريعة والانضباط في العمل بالكتاب والسنة.

ففي الاجتماع على أحد هذه المذاهب تحقيق لمقاصد كثيرة؛ من طاعة ولي الأمر وتوحيد الصف ولزوم الجماعة والأخذ بالعلم الصحيح السليم الخالي من الشبه والآمن من الفكر الدخيل، ونهاية هذه المذاهب جميعها وغايتها اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم للفهم عنه بمنه وفضله. والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    يجوز اعتماد مذهب فقهي معين؛ يأخذ به أهل البلد في فتاويهم ويكون مصدرا لما أمكن من قوانينهم؛ وفق ضوابط تضبط ذلك وتحده، وقد دلت على ذلك الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية؛ ففي الاجتماع على أحد هذه المذاهب تحقيق لمقاصد كثيرة؛ من طاعة ولي الأمر وتوحيد الصف ولزوم الجماعة والأخذ بالعلم الصحيح السليم الخالي من الشبه والآمن من الفكر الدخيل. والله تعالى أعلم.