عنوان الفتوى: دور مؤسسات الفتوى في بيان الوسطية في الإسلام

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هو دور الفتوى والأمانة الدينية في الشرح وتبيين الوسطية ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

767

13-مايو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

بارك الله فيك أخي الكريم وأحسن إليك، ورزقنا وإياك الإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب، وقد سألت أخي الكريم سؤالاً تضيق الصفحات عن كتابته والكلمات عن النطق به:

أما دور الإفتاء والأمانة الدينية في الشرح والتبيين : فإن مؤسسات ودوائر الفتوى هي المعول عليها في بيان حكم الله سبحانه وتعالى، يدلنا على ذلك قول الله عزوجل : {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }الأنبياء7 . فالفتوى ليست شيئاً مشاعاً بين الناس، كل من أراد أن يتصدى لها فعل، وإنما هي محصورة بين أهل العلم (أهل الذكر) كما أخبرنا الحق سبحانه وتعالى، بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43 وهي أمرٌ عظيمٌ لأنها بيانٌ لشرع ربِّ العالمين، والمفتي يوقع عن الله تعالى في حكمه ، ويقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الشريعة.

فالإفتاء هو: بيان الحكم الشرعي عند السؤال عنه، وقد يكون بغير سؤال كبيان حكم نازلة (أي أمر جديد) لم يتكلم به العلماء الموثوقون من قبل.

وأما المفتي: فهو العالم بالأحكام الشرعية وبالقضايا والحوادث، والذي رزق من العلم والقدرة ما يستطيع به استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وتنزيلها على الوقائع والقضايا الحادثة.

والأصل في الفتوى أنها غير ملزمة قضاء إلا أنها ملزمة ديانة فلا يسع المسلم مخالفتها إذا قامت الأدلة الواضحة على صحتها، ولذلك ذكر العلماء شروطاً للمفتي وآداباً له يرجع إليها في كتب الفقهاء، وقد اهتم بها منذ الصدر الأول للإسلام فتصدر من الصحابة رضي الله عنهم من عرف بالفقه وسئل وأفتى ، مع كونهم كانوا يتدافعون الفتوى، فكان في الفرائض زيد بن ثابت، وكان في القرآن عبدالله بن مسعود، وكان في الفقه ابن عباس وابن عمر، وفي القضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وأما غيرهم من الصحابة فمع فضلهم وعلمهم إلا أنهم كانوا يردون الإفتاء إلى من عرف بعلمه في المسألة أكثر منهم، وهكذا حتى وصلنا إلى هذا العصر، فأصبحت المؤهلات العلمية المعينة والتقيد بمنهجية المذاهب الأربعة هي المعيار لاختيار المفتي، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يقدم فتوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقر من مذاهبها.

وأما الوسطية : فهي المبدأ الأساسي في دين الله سبحانه وتعالى، وهي التي قام عليها الإسلام، وقد أشار الله سبحانه وتعالى في كتابه أننا أمة الوسط بين الأمم، فقال الله سبحانه وتعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... }البقرة143 . ومن مفاهيم الوسطية أنها تحقق التوازن فلا تكفر أحداً من أهل القبلة بمعنى أنها لا تكفر أي فئة من المسلمين تؤمن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وأركان الإيمان وأركان الإسلام ولا تنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وتعتبر المذاهب الفقهية هي اجتهادات لعلماء المسلمين مقصود بها تيسير العمل بالشريعة، اعتماداً على أن اختلاف العلماء في الرأي رحمة وسعة، وأما القلوب فكلها يجمعها حب الله سبحانه وتعالى، فعلماؤنا الثقات الأوائل أصحاب المذاهب الأربعة اختلفوا في الآراء ولكن هذا لم يمنعهم من معرفة فضل بعضهم البعض، ولم يجبرهم الاختلاف على الانتقاص من آراء غيرهم، وكان اختلافهم رحمة وتوسعة  بالمسلمين .

ومن مظاهر الوسطية التسامح  في العلاقة مع الآخرين وهو على أنواع، ومنها:

التسامح في المعتقد منطلقاً من قوله تعالى " وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" ولا يجوز إكراه غير المسلمين على الدخول في الإسلام عملاً بقوله تعالى "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" وقد سمح النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران بالصلاة في مسجده الشريف.

التسامح في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، انطلاقاً من احترام كرامة الإنسان، والأمر الرباني للمسلم بالإحسان إلى الوالدين ولو كانا غير مسلمين، والتوجيه القرآني للمسلمين بالبر وحسن الصلة مع غير المسلمين عملاً بقوله تعالى "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" وقد أباح الإسلام الأكل من طعام أهل الكتاب، والتزوج من نسائهم، وعيادة مرضاهم، وقبول هداياهم، وإعطاء فقرائهم من الصدقات.

التسامح في العدالة وحسن المعاملة، تأسيساً على قوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" والآية عامة في جميع أنواع العدل، وقد أوجب الله تعالى على المسلم أن يحقق العدل دائماً حتى في حق غير المسلمين، كما جاء في قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" وقد صح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    الوسطية من مبادئ ديننا الحنيف، ومؤسسات الفتوى هي المعول عليها في بيان الحكم الشرعي، وتفعيل دور الوسطية. والتسامح من أبرز ملامح الوسطية. والله تعالى أعلم .