عنوان الفتوى: الدعاء مع التسليم والرضى بالقضاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما فائدة الدعاء؟ كما نعلم بأن الله عند خلقنا كتب لنا العمر والرزق، وكما نعلم أن ما كتب لنا من رزق وعمر لا يمكن زيادته أو نقصانه، هل يعتبر تركيز بكثرة الدعاء بزيادة العمر وزيادة الرزق مضيعه للوقت؟ وكيف نقيس هذا على الأحاديث التي تدعو الى كثرة الاستغفار لما يجلب من الرزق، وبر الوالدين سبب في زيادة الرزق وغيرها أرجو شرح وتوضيح الأمر؟

نص الجواب

رقم الفتوى

75332

13-نوفمبر-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنسأل الله العلي القدير أن يجعلك من المكثرين من الدعاء، فالدعاء بحد ذاته عبادة، ففي سنن أبي داود من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، {قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}"، وفي رواية عند الترمذي: "الدعاء مخ العبادة".

والدعاء هو سبب من الأسباب، والله سبحانه وتعالى جعل له تأثيرا واضحا عند استجابته، ففي سنن الترمذي عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".

قال العلامة المناوي رحمه الله في فيض القدير: (بمعنى أن الدوام على الدعاء يطيب ورود القضاء فكأنه رده، ذكره أبو حاتم، وهو معنى قول البعض رده للقدر تهوينه حتى يصير القضاء النازل كأنه ما نزل ثم المراد أن الدعاء أعظم أسباب رده فبالنسبة لذلك حصره فيه وإلا فالصدقة تشاركه).

وفي مثل هذا المعنى يقول العلامة الخازن رحمه الله في تفسيره لباب التأويل في معاني التنزيل عند قول الله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، قال: (يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: هو في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة. وقيل: إن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فان قلت مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات. قلت: المحو والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئاً ولا يثبت شيئاً إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر).

ولا تناقض بين التسليم بالقضاء والقدر وبين ما وعد الله به من ثمرة الدعاء وبر الوالدين ونحو ذلك فالله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده، ومن لم يحصل على ثمرة الدعاء وغيره في الدنيا فسينال أجر ذلك يوم القيامة.

والله سبحانه وتعالى يعلم ما سيدعو به الإنسان وما سيقوم به من الأعمال ويعلم رزقه ومصيره، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-6-7-8-9-10].

والعقل البشري رغم سمو مكانته لديه إمكانات محدودة تجعله يبقى قاصرا عن إدراك الحقائق المطلقة والأسرار والحكم الكامنة وراء عدل الله في خلقه وأمره، ولذا لا يمكن أن يكون  العقل ميزانا منضبطا في تقرير الحقائق بل لا بد من العودة للوحي لينير لنا الطريق، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    الدعاء بحد ذاته عبادة، وسبب من الأسباب المأمور بها شرعا، ولا تناقض بين التسليم بالقضاء والقدر وبين ما وعد الله به من ثمرة الدعاء وبر الوالدين ونحو ذلك، فالله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده، ومن لم يحصل على ثمرة الدعاء وغيره في الدنيا فسينال أجر ذلك يوم القيامة، والعقل وحده لا يمكنه إدراك الحكمة من عدل الله في خلقه، فلا بد من الرجوع لنصوص الوحي لإنارة الطريق، والله تعالى أعلم.