عنوان الفتوى: أمور معينة لجلب الرزق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا إنسانة كلما تقدمت إلى وظيفة يتم الرفض، والحمد لله أنا ملتزمة بصلاتي وقراءتي للقرآن والتزامي بصلاة التهجد؛ لكن أريد أن ترشدوني إلى أدعية من القرآن والسنة النبوية كي أوفق.

نص الجواب

رقم الفتوى

7387

17-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أختي السائلة ونسأل الله تعالى أن يُحقِّقَ رجاءك، وأن يوسع عليك في الدنيا والآخرة؛ واعلمي أن الله خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، والرزق بيد الله تعالى، ولن يستطيع أحد أن يمنع أحداً رزقاً كتبه الله له، فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، كما روى ابن ماجة واللفظ له والحاكم وصححه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ)).

ولكنه سبحانه قسم الأرزاق بين الخلق حسب حكمته تعالى ووفق ما يصلحهم كما يعلمه منهم، ومع ذلك فلله في خلقه حِكمٌ وشؤون، فتجدين الله تعالى يعطي الرجل القليل من الرزق وهو مُجِدٌّ في عمله، وآخر فُتِحَ عليه من أبواب الرزق وهو كسول قليل الجهد، ولله في خلقه حِكم، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}(الشورى : 27) فقد يُرزق الرجل لا لنفسه ولكن لغيره، والمؤمن يُسَلِّم لله تعالى على كل حال، فهو يسعى على رزقه ويطلبه بالجهد والعمل أخذاً بالأسباب، ومع ذلك فقد يكون (رزقه) - نتيجة تعبه- قليلاً على غير ما توقع، والعكس صحيح، وهو في كل أموره خاضع مستسلم لربه يحمده في السراء، ويصبر ويرضى في الضراء، لا يعترض على رزقه وإن رآه قليلاً، ولا يتمنى لنفسه خلاف ما رضيه له ربه تعالى.

كما أنه سبحانه يبتلي المؤمنين ليعتبروا، ويتذكروا لعلهم يرجعون إليه فيغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، فهو يحب أن يسمع دعاء عبده، وتضرعه إليه، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[البقرة : 155] والغالب على النفس الضعيفة أن تنبسط وتفرح بالعطاء وتنقبض بالمنع، لأن في العطاء متعتها وشهوتها فتنبسط لذلك، وفي المنع قطع موادها وترك حظوظها ولا شك أنها تنقبض بذلك؛ وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها، فربما أعطاك ما تشتهيه نفسك فمنعك بذلك عن مناجاته، وربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها فمنعك الآخرة ونعيمها، وربما أعطاك قوة البدن ومنعك قوة الروح، وربما أعطاك إقبال الخلق فمنعك من إقبال الحق سبحانه، ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة، وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة.

ولذا قال العلامة الإمام ابن عطاء الله الاسكندري : "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك متى فتح لك باب الفهم عنه عاد المنع عين العطاء".

والرزق خزينة من خزائن الله، وعطايا الله تنال بطاعته، ولكنه تعالى جعل لجلب الرزق أسباباً؛ فمن أعظم أسباب الرزق: ــ ذكر الله تعالى وخاصة قراءة القرآن الكريم، والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، فهو من أعظم أبواب الفرج وسعة الرزق، لقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً .وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}[نوح10 ـ 12]

قال الإمام الشوكاني رحمه الله في فتح القدير: "وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال: {وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات} يعني: بساتين {وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} جارية، قال عطاء: المعنى يكثر أموالكم وأولادكم، أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا. اهـ

وروى أبو داود وابن ماجة والَحاكم وصحَّحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)).

ـــــ  ومنها : تقوى الله جل جلاله، يقول تبارك وتعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}[الأعراف:66]

ـ ومنها: صلة الرحم، ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) وفي رواية أخرى عند الطبراني: ((وإن أعجل البر ثواباً لصلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا)).

ــــ ومنها : التصدق والإنفاق في سبيل الله، فمن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج كربة المكروب فرج الله كربته في الدنيا والآخرة، وما من يوم تصبح فيه الخلائق إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما: "اللهم أعط منفقًا خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً".

ـــ ومنها: الدعاء والالتجاء إلى الله جل وعلا، فهو تعالى كفيل بإغاثة الملهوف، وتفريج كرب المكروب، وإجابة المضطر، قال تعالى:{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }[النمل62]. وروى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل)).

ويوماً دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده فنظر إلى أحد أصحابه، فوجده وحيدًا فريدًا ونظر إلى وجهه فرأى فيه علامات الهمِّ والغمِّ، رآه جالسًا في ساعة ليست بساعة صلاة فدنى منه الحليم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه - وكان لأصحابه أبر وأكرم من الأب لأبنائه- وقف عليه رسول الهدى فقال: ((يا أبا أمامة ما الذي أجلسك في المسجد في هذه الساعة؟)) قال: يا رسول الله، هموم أصابتني وديون غلبتني ـ أصابني الهم وغلبني الدين الذي هو همّ الليل وذل النهارـ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن أذهب الله همك وقضى دينك ألا أدلك على كلمات إذا قلتهن أذهب الله همك وقضى دينك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وأمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)) قال: فقلتهن فأذهب الله همي وقضى ديني.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، وأن يفرِّج همكِ، وأن يجيب دعاءك، والله ولي التوفيق.

  • والخلاصة

    المنع ليس دليل سخطه، كما أن العطاء ليس دليل رضاه، ولكن له في عطائه حِكم، وفي منعه حِكم، وكم بين طيات البلايا من عطايا، وكم في ثنايا المحن من مِنح، ومع ذلك فلجلب الرزق أسباب كما ذكرناها آنفاً ومنها: قراءة القرآن والذكر والاستغفار، والدعاء، وعليك بدعاء تفريج الكرب خاصة، واعلمي أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، والله الموفق.