عنوان الفتوى: تقليد القراء لتحسين قراءة القرآن

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز محاكاة أصوات القراء؟ فإني سمعت أحد العلماء يعتبر ذلك من البدع المنكرة!

نص الجواب

رقم الفتوى

7328

29-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك؛

واعلم رعاك الله أن الأصل في تعلم القرآن الكريم التلقي والمشافهة يؤخذ بالسند المتصل فالله تعالى أمرنا بترتيل القرآن عند تلاوته، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل:4]

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: أي لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني...؛ والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام.اهـ

روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن البراء رضي الله عنه مرفوعاً: ((زينوا القرآن بأصواتكم)).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمد قراءته بالقرآن، كما في صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدًا، ثم قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يرجع في قراءته.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من صاحب الصوت الحسن، كما روى البخاري ومسلم عن أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ لَهُ: ((يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)). وفي رواية  أبي يعلى: ((لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود)). يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبَّرْتُه لك تحبيراً. وكذا أمر ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن.

قال ابن كثير: وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة.اهـ

وقد كان هذا هو فعل الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يحبون أن يسمعوا القرآن من ذي الصوت الحسن ويقدمونه على غيره، فقد أخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال: "كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم".

فالقرآن الكريم إذا قرئ بصوت جميل كان أدعى لاقبال النفوس على استماعه والإصغاء إليه والتأثر بمعانيه، واستشعار جماله وتذوق حلاوته، إلا أن هذا مشروط بأن لا يؤدي تحسين الصوت به إلى الخروج عن ضبط القراءة إلى تغيير ألفاظه أو تحريفها، أو الإخلال بأحكام قراءته.

روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)). قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "((ليس منا)) أي من العاملين بسنتنا الجارين على طريقتنا ((من لم يتغن بالقرآن)) يعني لم يحسن صوته به لأن التطريب به أوقع في النفوس وأدعى للاستماع والإصغاء؛ وهي كالحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى أمكنة الداء، وكالأفاوية التي يطيب بها الطعام، (وهي البهارات التي تطيب الطعام)؛ ليكون الطبع أدعى قبولاً له لكن شرطه أن لا يغير اللفظ ولا يخل بالنظم ولا يخفي حرفاً ولا يزيد حرفاً؛ وإلا حرم إجماعاً كما مر، قال ابن أبي مليكة: فإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع".اهـ

وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: "قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْد: وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ مَحْمُولَة عَلَى التَّحْزِين وَالتَّشْوِيق. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ فَكَرِهَهَا مَالِك وَالْجُمْهُور لِخُرُوجِهَا عَمَّا جَاءَ الْقُرْآن لَهُ مِنْ الْخُشُوع وَالتَّفَهُّم، وَأَبَاحَهَا أَبُو حَنِيفَة وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف لِلْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَب لِلرِّقَّةِ وَإِثَارَة الْخَشْيَة وَإِقْبَال النُّفُوس عَلَى اِسْتِمَاعه. قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيّ فِي مَوْضِع: أَكْرَه الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ، وَقَالَ فِي مَوْضِع: لَا أَكْرَههَا. قَالَ أَصْحَابنَا: لَيْسَ لَهُ فِيهَا خِلَاف، وَإِنَّمَا هُوَ اِخْتِلَاف حَالَيْنِ، فَحَيْثُ كَرِهَهَا أَرَادَ إِذَا مَطَّطَ وَأَخْرَجَ الْكَلَام عَنْ مَوْضِعه بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْص أَوْ مَدّ غَيْر مَمْدُود وَإِدْغَام مَا لَا يَجُوز وَنَحْو ذَلِكَ، وَحَيْثُ أَبَاحَهَا أَرَادَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغَييُّر لِمَوْضُوعِ الْكَلَام. وَاَللَّه أَعْلَم".

وبناءً على ما سبق: فلما كان تحسين الصوت بالقرآن مطلوباً ومرغوباً، وكان مما يتقرب به إلى الله تعالى، أبيح للبعض ممن لم يوهب نعمة حسن الصوت أن يحاكي أو يقلد بعض المقرئين المتقنين، ليكتسب منهم حسن القراءة وجودة الأداء، فهذا أدعى إلى إقبال نفسه وكذا نفوس من يسمعه على كتاب الله تعالى، وفيه تنشيط لقلبه وقلوب من يسمعه؛ كما أن هذا مما يحمل النفوس على حسن الإنصات، وحضور القلوب، إلا أن هذا مشروط بعدم التكلف المُخرج عن ضبط القراءة إلى تغيير ألفاظه، أو تحريفها أو الإخلال بأحكام قراءته، وتمييع القراءة إلى حدِّ تقليد المطربين، وهذا شيء لا يليق مع كلام الله تعالى، والله أعلم.

  • والخلاصة

    الأصل أن يؤخذ القرآن الكريم بالتلقي والمشافهة من مقرئ مجاز بالسند المتصل، وإن محاكاة قارئ معتمد تجعل القراءة أقرب إلى الصواب، إلا أن هذا مشروط بعدم التكلف المُخرج عن ضبط القراءة إلى تغيير ألفاظه، أو تحريفها أو الإخلال بأحكام قراءته، وتمييع القراءة إلى حدِّ تقليد المطربين، وهذا شيء لا يليق مع كلام الله تعالى، والله أعلم.