عنوان الفتوى: حكم حج الدرجة الأولى VIP

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

تزايد في الآونة الأخيرة الحديث عن حج من نوع vip وكثير من الناس يعتبرونه بذخاً وتبذيراً؟ وقد يعتبره بعضهم أنه يلغي قيمة الحج وجوهره فما هو الحكم الشرعي؟ وهل يجوز تحديد الأعلى لتكاليف الحج كي لا يتحول الحج إلى سلعة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

7306

14-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أخي السائل فالمشهور أن الإسراف والتبذير بمعنى واحد، وفرق بينهما بعض أهل العلم، قال العلامة ابن عابدين الحنفي رحمه الله: "التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق أن بينهما فرقاً، وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي". اهـ.

وأما البَذَخ فهو الكبر وتطاول الرجل بكلامه وافتخاره كما في لسان العرب لابن منظور، ولا نظن بالحاج أنه يطلب توفير الخدمات الخاصة كبراً وتطاولاً.

وعلى المشهور عند أهل العلم أنه لا فرق بين الإسراف والتبذير وهما بمعنى: الإفراط في الشيء الحلال بالزيادة على القدر الكافي، وتجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ وهما بهذا المعنى من الأمور المذمومة شرعاً، قال الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأنعام:141]

والمطلوب من المسلم أن يقتصد ويتوسط في أموره كلها، قال الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[الفرقان:67] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها". وقال عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}[سورة الإسراء:29].

وعلى ضوء ما سبق نقول:  لا حرج على الإنسان أن يختار الحملة المناسبة التي يحج معها بمواصفات وخدمات معينة تليق به بشرط أن تكون تلك الخدمات مباحة وليس فيها تجاوز للكفاية اللائقة به، ويحدد المال المقابل لتلك الخدمات مسبقاً، وأن هذا لا يعدّ إسرافاً ولا تبذيراً ولا إلغاءً لجوهر الحج؛ فليس المراد من الحج تعذيب النفس وترك الطيبات والاستمتاع بما أحل الله تعالى للقادر على ذلك، بل خير من تمتع بمتع الدنيا المباحة -لا سيما في تلك الرحلة المباركة- من المركب والمسكن والمطعم والمشرب هو المؤمن؛ لقول الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). وفي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ"  فالله سبحانه غني عن تعذيب الإنسان لنفسه.

ويجب أن نعلم أن الإسراف يختلف باختلاف حال الناس، فما يكون إسرافاً في حق شخص قد لا يكون إسرافاً في حقِّ آخر، فالله تعالى فضل بعض الناس على بعض في الرزق... وقال: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}[النحل:71]. وقال: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ...}[الطلاق:7] وبما أنَّ مكاسب العباد مختلفة وأرزاقهم متفاوتة، وبالتالي تختلف النفقات من شخص إلى شخص، ومن بيت إلى بيت، ومن طبقة إلى طبقة، فيعدُّ إسرافاً في حقِّ بعض الناس ما لا يعد إسرافاً في حقِّ غيره نتيجة للتفاوت في الرزق بينهم، فمن يملك الملايين ليس كمن لا يملك إلا ما يقوم بكفايته؛ ولو تجاوز هذا الصنف طاقته فأنفق كما ينفق الأثرياء مباراة لهم كان مسرفاً ملوماً.

وقد تحدث السادة المالكية عن التبذير ومثله الإسراف فقال الشيخ الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير ما نصه: "التَّبْذِيرُ: أَيْ صَرْفُ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَا يُرَادُ لَهُ شَرْعًا.... إلى أن قال: أَوْ صَرْفِهِ فِي شَهَوَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ مِثْلِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبُوسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ بِإِتْلَافِهِ هَدَرًا كَأَنْ يَطْرَحَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ مِرْحَاضٍ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ السُّفَهَاءِ يَطْرَحُونَ الْأَطْعِمَةَ وَالْأَشْرِبَةَ فِيمَا ذُكِرَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ بِهَا".

وهذه التصرفات وأمثالها لا ينبغي أن تكون موجودة فيمن يخرج لحج بيت الله الحرام؛ ولا نحسب أنه يقوم بها على تلك الصفة؛ ولو قدر وجود من يفعل ذلك فلا حرج على نائب ولي الأمر في أمور الحج من توجيهه وإرشاده، فإن أصر على مثل ذلك فلا حرج في منعه، ومن يقدم له ذلك لأن في ذلك مصلحة لهم ولغيرهم من المسلمين؛ وإننا مع تكرر سفرنا سنوياً للحج ومع الحملات التي بهذا النوع لم نشاهد أموراً تتجاوز الحد الشرعي المقبول مع ما فيها من رفاهية وراحة للحجاج فلا نرى ما نعاً من الحج معها. غير أن التكاليف والنفقات تختلف بين مكان وآخر وزمان وآخر، والناس حريصون على أموالهم فطرة.  وإن تحديد السقف الأعلى للأسعار قد يلحق الضرر بأصحاب الحملات نظراً لأسعار الخدمات والفنادق وغيرها. والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    لا حرج على الإنسان أن يختار الحملة المناسبة التي يحج معها بمواصفات وخدمات معينة تليق به بشرط أن تكون تلك الخدمات مباحة وليس فيها تجاوز للكفاية اللائقة به، ويحدد المال المقابل لتلك الخدمات مسبقاً، وأن هذا لا يعدّ إسرافاً ولا تبذيراً ولا إلغاءً لجوهر الحج، وإننا مع تكرر سفرنا سنوياً للحج ومع الحملات التي بهذا النوع لم نشاهد أموراً تتجاوز الحد الشرعي المقبول مع ما فيها من رفاهية وراحة للحجاج فلا نرى ما نعاً من الحج معها.

    والإسراف والتبذير بمعنى: الإفراط  في الشيء الحلال بالزيادة على القدر الكافي، وتجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ ويختلف ذلك باختلاف حال الناس، فما يكون إسرافاً في حق شخص قد لا يكون إسرافاً في حقِّ آخر؛  وإن التكاليف والنفقات تختلف بين مكان وآخر وزمان وآخر، والناس حريصون على أموالهم فطرة.  وإن تحديد السقف الأعلى للأسعار قد يلحق الضرر بأصحاب الحملات نظراً لأسعار الخدمات والفنادق وغيرها. والله أعلم.