عنوان الفتوى: حكم البكاء ودلالته على حياة القلب

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل رقة القلب وذلك بالبكاء والتأثر عند تذكر الذنوب التي عملتها في الدنيا دليل على رضا الله وأن الله قد تقبل توبتي؟ هل هناك طرق معينة لجعل القلب رقيقاً وكثير التأثر وبعيداً عن التفكير في متاع الدنيا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

7301

14-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن القلب الإنساني له حالة موت وحالة حياة، وذكر أئمتنا من أهل التربية والإرشاد أن لموت قلب الإنسان علامات منها: عدم الحزن على ما فات من الطاعات؛ وترك الندم على ما فعلت من الزلات.

وبينوا لنا أيضا: أن الحزن على فقدان الطاعة أو فعل المعصية مع عدم النهوض لفعل الطاعة أو العزم على ترك المعصية؛ دليل أكيد على موت ذلك القلب وهو من علامة الاغترار.

وقد يكون البكاء بسبب الذنب علامة لا دليلا على محبة الله تعالى ورضاه، إذ هو من علامات توفيق الله لعبده، والعلامة هي الخوف من الله، والخوف: إلقاء إلهي في قلب عبده ليسوقه إلى حضرته تقربا وتحببا.

قال صاحب الحكم رحمه الله تعالى: (من علامات موت القلب: عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات؛ وترك الندم على ما فعلت من وجود الزلات)، وقال شارحها ابن عجيبة الحسني رحمه الله:

( قلت: موت القلب سببه ثلاثة أشياء: حب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، وإرسال الجوارح في معاصي الله، وسبب حياته ثلاثة أشياء: الزهد في الدنيا، والاشتغال بذكر الله، وصحبة أولياء الله، وعلامة موته ثلاثة أشياء: عدم الحزن على ما فات من الطاعات، وترك الندم على ما فعلت من الزلات، وصحبتك للغافلين الأموات، ... وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ"، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فأطاره، اهـ.)  

وجاء في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: ......قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)، قال الإمام النووي في شرحه على الصحيح: (وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير: مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِي دَخَلَ قَلْبه بِكُلِّ مَعْصِيَة يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَة، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ اُفْتُتِنَ وَزَالَ عَنْهُ نُور الْإِسْلَام، وَالْقَلْب مِثْل الْكُوز فَإِذَا اِنْكَبَّ اِنْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلهُ شَيْء بَعْد ذَلِكَ). والله أعلم.

  • والخلاصة

    القلب الإنساني له حالة موت وحالة حياة، وقد يكون البكاء بسبب الذنب علامة لا دليلا على محبة الله تعالى ورضاه إذ هو من علامات توفيق الله لعبده، والعلامة هي الخوف من الله، والخوف إلقاء إلهي في قلب عبده ليسوقه إلى حضرته تقربا وتحببا، والله أعلم.