عنوان الفتوى: الالتزام بمذهب الدولة منعاً للتشتت

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل المذهب المالكي يفتقر إلى الحجة والدليل؟ وما حكم من يرغب عن مذهب دولته ومجتمعه ويلتمس مذاهب وفتاوى أخرى وافدة ويثير بها الفتنة والبلبلة في بلده؟

نص الجواب

رقم الفتوى

7291

14-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً على تحري الصواب، واعلم أن المذهب المالكي منسوب إلى إمام دار الهجرة العالم الفقيه: مالك بن أنس رحمه الله تعالى ورضي الله عنه وهو الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:  ((يُوشِك أن يضربَ النَّاسُ أكْبَادَ الإبِلِ يَطْلُبُونَ العِلْم، فلا يَجِدُون أحداً أعلمَ من عالم المدينة)) رواه الترمذي وحسنه. قال الإمام المحدث عبد الرزاق الصنعاني: هو مالك بن أنس. وقال الإمام المحدث سفيان بن عيينة: يَروَنه مالك بن أنس.

وقد اتفق الأئمة على علمه وزهده وبلوغه رتبة الاجتهاد المطلق المستقل وهو أعرف من أن نعرف به.

وقد بنى مذهبه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وما هو آيل إليهما كالإجماع والقياس وغيرهما من الأدلة المعتبرة المقررة عند العلماء والمبحوثة في كتب أصول الفقه.

والمذهب المالكي ليس بحاجة إلى أن يأتي شخص في هذا الزمان ليحتج له ويدلل على أصوله ومسائله؛ لأنه قد قام بذلك إمام المذهب وأصحابه من بعده في العصور الأولى؛ ولا يزال المنتسبون إليه يتناقلون ذلك ويفصلونه ويوضحونه ويستخرجون أحكام النوازل الحادثة وفق تلك الأصول والأدلة والنصوص التي خلفها إمامهم وكبار أصحابه.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: إذا ذكر العلماء فمالك النجم؛ وقال أيضاً: مالك حجة الله على خلقه، وقال أيضاً: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.

وقال الإمام الشافعي أيضاً: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وما أحدٌ أمنَّ عليَّ من مالكٍ، وجعلت مالكاً حجةً بيني وبين الله، وإذا ذُكر العلماء فمالك النجم الثاقب؛ ولم يبلغ أحد مبلغ مالكٍ في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته.

وأما قولك: وما حكم من يرغب عن مذهب دولته ومجتمعه ويلتمس مذاهب وفتاوى أخرى وافدة ويثير بها الفتنة والبلبلة في بلده.

فجوابه: أن هذا خطأ واضح منه لأن الشريعة جاءت بالحث على وحدة الكلمة واجتماع الصف، وعلى المسلم أن يكون عامل وحدة لا فرقة، ومسكِّنٌ للفتنة لا مثيراً لها، ولو اقتنع برأي آخر في مسائل الاجتهاد فله أن يعمل بذلك في خاصة نفسه، ولا يشيعه بين العامة ويدعوهم إليه، لأن ذلك يشوش عليهم  ويحدث الفتنة بينهم؛ وقد حذّر من ذلك الإمام مالك بن أنس رحمه الله، وبين مخاطره؛ ففي مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال: "قال لي أبو جعفر يوماً: قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك... إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله عز وجل؛ ثم قام أبو بكر رضي الله عنه بعده فلم يفتح من البلاد كثيراً ثم قام عمر رضي الله عنه بعدهما ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابراً عن كابر إلى يومهم هذا فان ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفراً؛ ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم وخذ هذا العلم لنفسك؛ فقال لي: ما أبعدت القول".

وفي الانتقاء للحافظ ابن عبد البر عن محمد بن سعد عنه قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحادثته وسألني فأجبته فقال: "إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت يعنى الموطأ فتنسخ نسخاً ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم؛ قال: فقلت يا أمير المؤمنين: لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم؛ فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به".

فانظر إلى هذا الإمام الكبير في علمه وفكره ونظره الصائب إلى أراء غيره من العلماء، وإلى ما يصلح المجتمع، فقد قدّر أراء غيره من أهل العلم ورفض أن يحول الناس عنها إلى رأيه وقد أتيحت له الفرصة في ذلك، وكان هدفه من ذلك تحقيق وحدة فكرية وفقهية في المجتمع، وتجنيب الناس الخلافات والنـزاعات.

وهذا إمام الحنابلة في عصره الإمام القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله، يأتيه شخص من بلاد (ميافارقين) وتقع الآن في تركيا تقريباً ليدرس عليه الفقه الحنبلي، فأرشده أن يذهب إلى غيره حتى لا يعود هذا الرجل إلى بلده فيفتي بخلاف ما يفتي به علماء بلده، فتحدث الخصومة والنـزاع وتفرق الكلمة؛ ذكر ذلك الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام (32/157) بسنده إلى القاضي أنه قال للرجل: أنت شافعيٌّ، وأهل بلدك شافعيّة، فكيف تشتغل بمذهب أحمد، قال: قد أحببته لأجلك؛ فقال: يا ولدي ما هو مصلحة؛ تبقى وحدك في بلدك ما لك من تذاكره، ولا تذكر له درساً، وتقع بينكم خصومات، وأنت وحيد لا يطيب عيشك؛ فقال: إنّما أحببته وطلبته لما ظهر من دينك وعلمك؛ قال: أنا أدلّك على من هو خيرٌ منّي! الشّيخ أبو إسحاق؛ فقال: يا سيدّي، إنّي لا أعرفه، فقال: أنا أمضي معك إليه.

واعلم أخي الفاضل: أن الأئمة الأربعة يطلبون مراد الله تعالى، ويجتهدون في جمع نصوص الشرع وفهمها وقد يتفقون وقد يختلفون، وليس هناك واحد منهم إلا وأوصله اجتهاده إلى مسائل هي في مذهبه أيسر من المذاهب الأخرى، وأوصله اجتهاده أيضاً إلى مسائل هي في مذهبه أشد وأعسر من المذاهب الأخرى، لأنهم رضي الله عنهم ورحمهم وضعوا لأنفسهم قواعد يجتهدوا من خلالها، وطلب اليسر والسماحة هو واحدٌ من تلك القواعد والأصول التي اتفقوا عليها لكون الشرع قد أمر بالتيسير والسماحة، وجاء بذمِّ التكلف والتشدد، ولكنَّ هذه القاعدة لم تمنع من وجود بعض الفوارق في الأحكام بين يسير وأيسر؛ وهم في جميع ذلك دائرون في فلك النصوص الشرعية ومقاصدها الكلية التي تعتبر حاكمة وضابطة لاجتهاداتهم واستنباطاتهم؛ فالأخذ بمذهب أحدهم ليس خروجاً عن الشريعة، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    المذهب المالكي مبني على الدليل من الكتاب والسنة وما إليهما؛ والأخذ بمذهب آخر في خاصة النفس لا مانع منه، وأما إشاعته في مجتمع يسود فيه المذهب المالكي، فلا ينبغي لما في ذلك من التشويش على عامة الناس وقد حذر الأئمة من ذلك وبينوا وجه خطره، والله تعالى أعلم.