عنوان الفتوى: الاخلاص والرياء في الحج

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كيف أستطيع معرفة ما إذا كان لنفسي حظ من ذهابي للحج لأني سمعت أن النفس لها حظوظ حتى في الطاعات وما هو العلاج إن صح ما أقول؟

نص الجواب

رقم الفتوى

7226

08-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن الإسلام كله مبني على المقاصد وتوجهات القلوب، فمن توجه لله تعالى في أعماله وكانت هي الباعثة له على أدائها فهو عبد مخلص، ومن كانت بواعثه ما سوى الله تعالى ففيها غرض يبعده عن الإخلاص والخلاص من العقاب، وأحيانا عن القبول لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا، لأنه أغنى الشركاء سبحانه.

وتأمل الحديث النبوي المشهور الذي رواه البخاري ومسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في هذا الحديث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ"...الْحَدِيث، أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَم مَوْقِع هَذَا الْحَدِيث، وَكَثْرَة فَوَائِده وَصِحَّته، قَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: هُوَ ثُلُث الْإِسْلَام، وَقَالَ الشَّافِعِيّ: يَدْخُل فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْفِقْه، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ رُبْع الْإِسْلَام، .... الْحَدِيث: إِنَّ الْأَعْمَال تُحْسَب بِنِيَّةٍ، وَلَا تُحْسَب إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّة. وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى أَنَّ الطَّهَارَة وَهِيَ الْوُضُوء وَالْغُسْل وَالتَّيَمُّم لَا تَصِحّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحَجّ وَالِاعْتِكَاف وَسَائِر الْعِبَادَات.

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى" قَالُوا: فَائِدَة ذِكْره بَعْد إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، بَيَان أَنَّ تَعْيِين الْمَنَوِيّ شَرْط، ... قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فَمَنْ كَانَ هِجْرَته إِلَى اللَّه وَرَسُوله فَهِجْرَته إِلَى اللَّه وَرَسُوله" مَعْنَاهُ: مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ وَجْه اللَّه وَقَعَ أَجْره عَلَى اللَّه، وَمَنْ قَصَدَ بِهَا دُنْيَا أَوْ اِمْرَأَة فَهِيَ حَظّه وَلَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة بِسَبَبِ هَذِهِ الْهِجْرَة، وَاللَّهُ أَعْلَم، هذا توجيه أهل الفقه.

وأما توجيه أهل التربية والإرشاد فقد قال الإمام الغزالي: اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصاً لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثواباً أم يقتضي عقاباً أم لا يقتضي شيئاً أصلاً فلا يكون له ولا عليه؟ أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعاً وهو سبب المقت والعقاب.

وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب وإنما النظر في المشوب، وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له، وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه. والذي ينقدح لما فيه- والعلم عند الله- أن ينظر إلى قدر قوة الباعث. فإن كان الباعث الديني مساوياً للباعث النفسي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب، نعم العقاب الذي فيه من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم يمتزج به شائبة التقرب.

وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني وهذا لقوله تعالى: { َمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة7،8]، ولقوله تعالى: {إنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا }[النساء:40] فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان غالباً على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة، وإن كان مغلوباً سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد، وكشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاته....

ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجاً ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، نعم يمكن أن يقال: إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص، وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة، ولكن الصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ما)، والله أعلم.

  • والخلاصة

    الفيصل في القضية أن الحكم الشرعي من حيث صحة الحج واضح فمن وقف وطاف وسعى فقد صح حجه من حيث النظرة الفقهية لكن تحرير النية وهي الباعث هي الحاكم في مسألتنا، فإن خرج للرياء والسمعة وهو المرجح له في الخروج فقد خرج عن الإخلاص ونسأل الله له الخلاص، ومن كان خروجه للثواب وبلوغ مرضاة الله وهو الغالب عليه في قصده فهو إن شاء الله تعالى من المقبولين المخلصين، والعلاج من الرياء: هي صحبة رجل صادق مخلص يخرجه عن حظ نفسه وعن رؤية نفسه وعن شهواته ورغباته تدريبا وتمرينا حتى يقوى على الإخلاص ومراقبة الله عز وجل عند كل عمل، والله أعلم.