عنوان الفتوى: حكم إقامة خيمة للعزاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هي الأحكام المتعقلة بالتعزية والجلوس لها وصنع الطعام؟ نرجو منكم بيان الحكم وفقاً للكتاب والسنة وأقوال العلماء؟.

نص الجواب

رقم الفتوى

71793

31-أغسطس-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإنّ الجواب على هذا السؤال نذكره في الفقرات التالية:

1- التعزية سنة مجمع عليها بين الفقهاء، وذلك لما فيها من  مواساة وتهوين للمصيبة في حق من أصيب بها، وكذلك حضه على الصبر وتذكيره بفضله، كما أنَّ فيها الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، وهذا بالإضافة إلى ما فيها من أجر كبير للمعزِّي؛ وذلك لحديث عمرو بن حزم رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مؤمن يُعزي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة» رواه ابن ماجه، وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه.

ويعضده حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ) رواه الترمذي وابن ماجه، وقد أشار الحافظ ابن حجر في "أجوبته عن أحاديث المصابيح" إلى تقوية هذا الحديث بشواهده.

2- والتعزية تكون لأهل الميت - كبيرِهم وصغيرِهم ممن يُقصد بالخطاب ويفهمه- وليس لها مكان محدد، لكن ينبغي مراعاة العرف والعادة المتبعة في البلد؛ قال: العلامة ابن حبيب فيما نقله عنه الحطاب في المواهب: (والتعزية عند القبر واسع في الدين، والأدب في المنزل).

3- وتجوز التعزية بأي لفظ حسن، ومن أفضلها: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أسامة بن زيد وذلك أن تقول: (لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى.. فلتصبر ولتحتسب). متفق عليه 

ومنها ما اختاره جمع من أهل العلم بأن تقول: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاك عنها... وغفر لميتك ورحمه.

4- والتعزية تمتد إلى ثلاثة أيام ، ولا ينبغي أن يزاد على ذلك؛ لما في الزيادة من تجديد الأحزان لأهل الميت، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك: كأن يكون المُعزِّي أو المُعَزَّى غائبا عند حدوث المصيبة.

5- والجلوس للتعزية واستقبال المعزين في مكان عام أو في البيت أو غيره كل ذلك واسع لما في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن...).

وقد بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله:  "باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن".

لكن ينبغي أن يسود المجلس الهدوء والوقار والاعتبار بالموت ، كما يجب أن لا يصاحب هذا الجلوس ما هو منهي عنه شرعاً من نياحة ونحوها؛  فقد ذكر الحافظ في الفتح عن العلامة ابن المنير:(أنَّ الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم؛ فمن أُصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور: من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب؛ فيقتدى به صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن ويؤذن بأن المصيبة عظيمة).

6- وينبغي أن يسود الأدب الشرعي في مجلس العزاء: -

(أ) فيكره للمعزين إطالة الجلوس عند أهل الميت بما يشق عليهم أو يكلفهم صنع الطعام لهم ، لكن لا بأس من تقديم ما يتيسر للمعزين مما لا تكلفة فيه ولا مباهاة: من نحو تمر وقهوة وماء وما أشبه ذك.

وإذا دعت الحاجة إلى التطويل فإن الكراهة تزول وذلك كأن يكون القادمون من أقارب الميت أو أصدقائه ممن يسر أهله إطالة مكثهم عندهم؛ فحينئذ لا بأس من ذلك.

 (ب) ويسن التخفيف عن أهل الميت ، ومواساتهم : بالتسرية عنهم ، وصنع الطعام لهم ولضيفهم لحديث عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لأهل جعفر طعاما، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم. رواه أحمد ، وأصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -  (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت: كُلن منها فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن).

7- أما القول بحرمة الجلوس للعزاء استناداً إلى أثر جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) رواه أحمد وابن ماجه؛ فهذا الأثر على التسليم بصحته محمول على الاجتماع الذي يحتوي على مخالفات شرعية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، على أن الإمام أحمد قد أشار إلى علة خفية في إسناد هذا الأثر فلذلك ضعفه؛ كما نقل ذلك عنه تلميذه أبو داود في كتابه "مسائل الإمام أحمد" حيث قال: " ذَكَرْتُ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ".

قال : زعموا أنه سمعه من شريك، قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أُرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلاً). والله تعالى أعلم

  • والخلاصة

    التعزية سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد فيها الأجر الكبير، وتمتد إلى ثلاثة أيام ولا ينبغي أن يزاد عليها، ويكره للمعزين إطالة الجلوس عند أهل الميت بما يشق عليهم أو يكلفهم صنع الطعام لهم، لكن لا بأس من تقديم ما يتيسر للمعزين مما لا تكلفة فيه ولا مباهاة: من نحو تمر وقهوة وماء وما أشبه ذك، وإذا دعت الحاجة إلى التطويل فإن الكراهة تزول؛ وذلك كأن يكون القادمون من أقارب الميت أو أصدقائه ممن يسر أهله إطالة مكثهم عندهم؛ فحينئذ لا بأس من ذلك. والله تعالى أعلم.