عنوان الفتوى: الدعاء والتوكل

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

قرأت في كثير من المقالات أن التوكل على الله يوجب علي الأخذ بالأسباب كاملة، وأن أدعو الله أن ينجحني فيما أنا مقبل عليه، ولكن السؤال الذي يحيرني هو: لماذا أدعو الله أن ينجحني إن كان الدعاء لن يفيد إذا لم أذاكر جيداً؟ وما الفرق بيني وبين الإنسان العاصي أو الإنسان الكافر في ذلك؟ أرجو تعريفاً دقيقاً للتوكل على الله حق توكله.

نص الجواب

رقم الفتوى

7001

07-أكتوبر-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حِرصاً، وبارك فيك، واعلم رعاك الله أنه لا يقع في ملك الله تعالى إلا ما أراده الله تعالى، وأن العبد لن يٌحَصِّلَ من الرزق إلا على ما قدَّره الله تعالى له، فعلى العبد أن يتوكل على الله بأن يوقن بأن الله تعالى بيده مقاليد كل شيء، وأنه إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه،

ثم ليأخذ بأسباب العطاء مما يريد نواله، ومع أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالله تعالى له الإرادة المطلقة في خلقه، فهو تعالى يعطي مع عدم الأسباب، ويمنع مع وجود الأسباب، وما ذاك إلا لحكمة يعرفها تعالى فهو أعلم بخلقه وأدرى بصنعته {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}؛

والدعاء باب من أبواب العطاء وسبب من أسبابه ، وإلهام الله تعالى لعبده أن يتوجه إليه بالدعاء علامة على أنه يريد أن يعطيه، قال صاحب الحكم رحمه: ( متى اطلق لسانك بالدعاء فاعلم أنه يريد أن يعطيك) ، وإلا فهو قادر على أن يعطي عبده ولو لم يَدْعُه، ولكن اراد الله بحكمته أن يفتح للعبد باب التضرع إليه لإظهار عبوديته بين يدي مولاه،

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة)) وقال أيضاً: ((من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة)) وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: (( من أُذن له في الدعاء منكم فقد فتحت له أبواب الرحمة وما ُسئل الله شيئاً أحب إليه من العفو والعافية)).

ومع ذلك فمن كرم الله تعالى وتفضله على السائلين أنه يعطي السائل على دعائه ولا يرده، وإن لم يستجب عين الدعاء، فالعطاء الإلهي الموقوف على سبب من الأسباب، سواء كان السبب قولاً لسانياً أو فعلاً عملياً، كإنفاق المال مثلاً: فإن هذا تشريع متعلِّق بوعده الصادق، والوعد الصادق لا يتخلف، لكن لا يعني أن يعطي الله في الحال،

فربما يجعله في المآل، فحكمته تعالى تقتضي أحياناً تعجيل إجابة الدعاء، وأحياناً تقتضي تأخيره أو ادخاره له في الآخرة، وأحياناً تقتضي أن يصرف عنه مثلها من الشر، كما روى الإمام أحمد والحاكم وصحَّحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا)) قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: ((اللَّهُ أَكْثَرُ)). أي مهما أكثرت من الدعاء والتضرع، فالله تعالى أكثر عطاءً وتكرماً.

وأما حقيقة التوكل فهي تفويض القلب لفعل الرب تعالى واستسلامه وخضوعه له مع تعاطي الاسباب وعدم الاعتماد عليها بل على فضل الله وحده سبحانه، ونقل الإمام القشيري عن ابن عطاء ، وقد سئل عن حقيقة التوكل، فقال: أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها.

وأما دعوى من يقول: ما فائدة الدعاء إذا ترك الداعي مباشرة الأسباب ؟

والجواب : أن الله تعالى طالما ألهم العبد الدعاء فهذا دليل على أنه يريد أن يعطيه ، ومع ذلك فقد يباشر العبد أسباب النجاح ويتخلف الجواب ، والعكس صحيح ، فقد لا يباشر الأسباب ويعطيه الله تعالى ، وذلك إنما لحكمة يعلمها تعالى في خلقه، وهي أن الدعاء عبودية سرُّها إظهار الفاقة ، ولو كانت الإجابة بعين المراد حتما لما صحَّت فاقة ولا افتقار في عين الطلب ، فيبطل سرُّ التكليف به وظهور معنى الاضطرار المطلوب ، فافهم . ( قاله الشيخ زروق رحمه الله ). 

إذن فالمطلوب أن يسعى العبد موقناً في الله تعالى واستجابته ، ويباشر ما استطاع من أسباب ، دون التعلُّق بها ، وأنها لا تنفع بذاتها ، وإنما هي أسباب اقتضاها الله تعالى لإظهار فاقة العبد وافتقاره .

والفرق كبير بين المؤمن وغيره ، فالله تعالى يحب أن يسمع دعاء عبده المؤمن وتضرعه إليه ، وتذلله وانكساره بين يديه ، ألا ترى أن الله تعالى يبتلي العبد وهو قادر على شفائه بل قادر على معافاته أصلا، وإنما ابتلاه ليقيمه متعبداً إليه في مقام الربوبية بالثناء والحمد والشكر والصبر.

روى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: "إِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ لَيَبْتَلَي الْعَبْدُ وَهُوَ يُحِبُّه لَيُسْمَعَ تَضَرُّعُهُ"

فالبون شاسع بين من ألهمه الله ذكره وأرشده إلى سؤاله ودعائه، وأقامه ليتقلب بين اظهار العبودية والقيام في حق مقام الربوبية وبين من غفل عن الله تعالى وجحد فضله ونعمه وصرف قلبه وعقله إلى غير المنعم تعالى، وقد روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)).

وقد قال تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: "يا مَنْ أحبّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب".

نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وان يبصرنا بحقيقة الامر وفقهه. والله تعالى أعلى وأعلم وبخلقه أحكم.

  • والخلاصة

    الدعاء باب من أبواب العطاء، وإلهام الله تعالى لعبده أن يتوجه إليه بالدعاء، علامة على أنه يريد أن يعطيه، وإلا فهو قادر على أن يعطي عبده ولو لم يَدْعُه، ولكنه أراد أن يفتح للعبد باب التضرع إليه لإظهار عبوديته بين يدي مولاه وقياماً بحقوق الربوبية،

    فالتوكل على الله تعالى يقتضي الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على رب الأرباب؛ فإذا وجد العبد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة {إياك نعبد} مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة {إياك نستعين} كان هذا العبد متوكلاً على الله حق التوكل، والله تعالى أعلم.