عنوان الفتوى: زكاة العملات وجريان الربا فيها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل تجب الزكاة في الأوراق البنكية (بنك نوت) وإن كانت فيها الزكاة ما العلة، كيف تنزل الأوراق منزلة النقدين من الذهب والفضة ، أرجو منكم الجواب في نظر المذهب الشافعي مع الأدلة النقلية من الكتب الشافعية. جزاكم الله خير الجزاء

نص الجواب

رقم الفتوى

68442

02-مايو-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله تعالى فيك ووفقك: وبما أن العملات المعاصرة (الأوراق البنكية) مسألة مستجدة فإنه لا يوجد فيها نصوص قديمة تخصها عن الفقهاء السابقين، وإنما تكلم الفقهاء سابقاً - ومنهم الشافعية - عن الفلوس النّحاسية التي كانت تستخدم كعملة ذات قيمة متدنية مع النقدين اللذين هما الذهب والفضة، وقد وقع الاختلاف قديما بين الفقهاء في حكمها، هل تُلحق بالذهب والفضة إذا راجت رواجهما في وجوب الزكاة وجريان الربا أم لا؟ على قولين مشهورين:

الأول: أنها كالنقدين فيجري فيها الربا وتجب فيها الزكاة.

الثاني: ليست كالنقدين ؛ لذلك لا يجري فيها الربا ولا تجب فيها الزكاة إلا إن كانت للتجارة.

لكن هل (العملات المعاصرة) كالفلوس النحاسية بحيث تقاس عليها؟ أو هي بدل عن النقدين فتُلحق بهما؟

في هذا الأمر قولان للعلماء المعاصرين:

الأول: أنها كالفلوس ؛ فلا تجب فيها الزكاة ولا يجري فيها الربا.

الثاني: أنها كالنقدين؛ فتجب فيها الزكاة ويجري فيها الربا، وعلى هذا جمهور الفقهاء المعاصرين من الشافعية وغيرهم لأن هذه العملات قد أصبحت أثمانا غالبة، وهذا يجعلها تُلحق بالذهب والفضة وتأخذ حكمهما لاتفاقها معهما في الثمنية الغالبة، ولا يصلح أن تلحق بالفلوس لأن ثمنية الفلوس لم تكن غالبة في زمانها، ومما يقوي إلحاق هذه العملات بالنقدين لا بالفلوس في المذهب الشافعي هو تعليل الإمام الشافعي في كتابه "الأم"، فإنه قد فرق بين السلَم في الفلوس والنقدين (الذهب والفضة) فأجاز السلم في الفلوس ومنعه في النقدين وعلل تفريقه بينهما بأن الفلوس ليست أثمانا للأشياء كالنقدين فقال: (وإنما أجزت أن يُسلم في الفلوس بخلافه في الذهب والفضة بأنه لا زكاة فيه وأنه ليس بثمن للأشياء كما تكون الدراهم والدنانير أثماناً للأشياء المسلفة)، وهذا التعليل يدعونا للتفريق بين حكم الفلوس النحاسية في زمانها وبين العملات في زمننا، لأن العملات قد أصبحت في عصرنا أثماناً غالبة للأشياء باتفاق الناس بخلاف الفلوس فلم تكن كذلك في زمنها فلزم أن تكون في هذه العملات الزكاة ويجري فيها الربا نظرا للعلة التي أشار إليها الإمام الشافعي رحمه الله.

ويؤكد هذا كلام الإمام الروياني - وهو من كبار الشافعية - فقد قال في كتابه بحر المذهب: (فلو تعامَل الناس بالفلوس لم يجعل مال العطاء فلوساً، لأنها في المعاملات نادرة ولذلك خرجت عن أن يثبت فيها الربا، وتجب فيها الزكاة).

وعندما ننظر الآن إلى حال (العملات) فإننا لا نجد التعامل بها نادرا بل نجده غالباً، وعليه فيصح أن نستنبط من كلام الروياني أن الزكاة تجب في هذه العملات ويجري فيها الربا لغلبة التعامل بها في عصرنا.

وهذا الإمام النووي يقول "في كتابه الروضة":  (وأما الذهب والفضة، فقيل: يثبت الربا فيهما لعينهما، لا لعلة. وقال الجمهور: العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة. وإن شئت قلت: جوهرية الأثمان غالبا، والعبارتان تشملان التبر، والمضروب، والحلي، والأواني منهما. وفي تعدي الحكم إلى الفلوس إذا راجت وجه، والصحيح: أنه لا ربا فيهما لانتفاء الثمنية الغالبة).

وقال الحصني في كفاية الأخيار عن الفلوس (لا ربا فيها  لانتفاء الثمنية الغالبة فيها). 

فتعليل الإمام النووي والحصني - وغيرهما من الشافعية - في عدم تعدية حكم النقدين إلى الفلوس: (بانتفاء الثمنية الغالبة فيها) يرشدنا إلى أنه متى وُجدت الثمينة الغالبة فيها تعدّى الحكم إليها ، وكذا إلى كل ما غلبت فيه الثمينة كالعملات المعاصرة فإنها قد أصبحت أثمانا غالبة وعليه فيلزم تعدية حكم النقدين إليها.

وقد ذكر الإمام الجويني في نهاية المطلب أن الفلوس إذا جرت في بعض البلاد وراجت رواج النقود، فإن طائفة من الأصحاب ذهبوا إلى أنها "تلتحق بالنقود في الأحكام"، مع أن الثمنية فيها لم تغلب في عصرهم لوجود النقدين معها وهما الأثمان الغالبة، أما العملات فقد غلب التعامل بها في عصرنا وراجت رواج النقدين بل حلت محلهما وأصبحت منفردة بالثمينة للأشياء دونهما، وعليه فالصواب إلحاقها بالنقدين للعلة الجامعة بينهما، ولما في ذلك من تحقيق المصلحة العامة للناس كما لا يخفى.

وفي الفتاوي الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي قال: (ومن ثم لو راجت الفلوس رواج النقود ثبت لها أحكامها وإذا ثبت لها أحكامها نظراً للعرف مع أنها لا يطلق عليها نقد حقيقة ولا مجازا فكذلك يثبت للفظ الساعة حكم لفظ الجزء إذا اعتيد استعماله فيه..).

وكون الشافعية نصوا على أن العلة قاصرة في النقدين لا يلزم منه عدم الإلحاق مطلقا بل متى حدث فرع يشارك الأصل في العلة فإنه يُلحق به ويُعطى حكمه قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع (مذهبنا جواز التعليل بها - أي العلة القاصرة - فإن العلل أعلامٌ نصبَها الله تعالى للأحكام، منها متعدية ومنها غير متعدية) ثم ذكر فوائد التعليل بالعلة القاصرة وذكر منها (أنه ربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به) ثم استشعر الشافعية ورود سؤال عليهم في عدم إيجاب الزكاة وعدم جريان الربا في الفلوس مع وجود الثمنية فيها فيها؟

فأجابوا عن ذلك بما نقله عنهم النووي في المجموع بقوله: (وأجابوا عن الفلوس بأن العلة عندنا كون الذهب والفضة جنس الأثمان غالبا وليست الفلوس كذلك فإنها وإن كانت ثمنا في بعض البلاد فليست من جنس الأثمان غالبا).

وينبه هنا إلى أن الثمنية ليست لذاتية النقدين، وإنما لتوافق الناس على الثمنية، وعليه فكل شيء توافق الناس على جعله ثمنا وغلب التعامل به كان له حكم النقدين، بدليل أن كثيرا من فقهاء الشافعية اعتبروا الفلوس أثماناً عند رواجها ، والبعض الآخر منهم لم يعتبروها أثمانا لكن لا لكون جوهرهما لا يقبل أن يكون ثمنا، وإنما لعدم غلبة الثمنية فيها،  أما العملات المعاصرة فقد اتفق الناس على جعلها أثمانا وحددوا لها قيمة اعتبارية مضمونة في كل دولة حسب معطيات معينة ولذلك فإنه قد أصبحت أثمانا ينبغي أن يجري فيها ما يجري في النقدين.    

والحاصل: أن مقتضى المذهب الشافعي وتعليلاته - وما تقتضيه المصلحة العامة للناس - هو وجوب الزكاة في العملات المعاصرة وجريان الربا فيها  كالذهب والفضة لأنها حلت محلهما وأصبحت أثمانا غالبة، ولا يصح أن تُلحق بالفلوس لوجود الفارق بينهما،  وهو عدم غلبة الثمنية في الفلوس وغلبتها في العملات، وألحقنا هذه العملات بالنقدين في المذهب نظراً إلى تعليلات  الإمام الشافعي وأصحابه رحمهم الله تعالى. والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    مقتضى المذهب الشافعي وتعليلاته - وما تقتضيه المصلحة العامة للناس - هو وجوب الزكاة في العملات المعاصرة وجريان الربا فيها  كالذهب والفضة لأنها حلت محلهما وأصبحت أثمانا غالبة، ولا يصح أن تُلحق بالفلوس لوجود الفارق بينهما،  وهو عدم غلبة الثمنية في الفلوس وغلبتها في العملات، وعملة كل بلد مستقلة عن عملة البلد الآخر بدليل أنها إذا انخفضت أو ارتفعت في بلد لا يلزم مثل ذلك في بلد آخر، وألحقنا هذه العملات بالنقدين في المذهب نظراً إلى تعليلات  الإمام الشافعي وأصحابه رحمهم الله تعالى. والله تعالى أعلم.