عنوان الفتوى: الفرق بين تتبع الرخص والأخذ بالرخصة عند الحاجة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أستفسر عن تزمت أكثر الفقهاء إزاء قضية الأخذ بأيسر الأقوال فى المذاهب الفقهية التى شاعت تسميتها ب " تتبع الرخص"...ذلك المصطلح الذى ساءت سمعته و ذم الآخذ به رغم ترديد الفقهاء عبارات  جوفاء على شاكلة " الإسلام كله رحمة" و" الله يحب أن تؤتى رخصه" و مما يثير حيرتي عدم التفات معارضي الأخذ بالرخص و تتبعها لذلك المثال الذى ورد فى كتب الفقه حين استحم فقيه عراقي غالبا - لا أذكر اسمه- من بئر فلما فرغ من الغسل أخبره الناس أن فأرة ميتة توجد فى البئر الذى أغتسل منه فرد عليهم - و لا أجد سببا لقوله سوى الأخذ بالأيسر لا الأحوط الذى تشددون عليه-: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة الذين قالوا " إن الماء إذا بلغ مقدار قلتين لم يتنجس بما فيه من نجاسات...عذرا فأنا لا أذكر العبارة بدقة، فما ردكم على هذا؟ لماذا تضيقون واسعا يا من جعلكم الله أهلا للذكر؟ هل صارت مهمتكم فى الحياة هى التضييق على خلق الله و أن تصطنعوا لذلك قواعد ما أنزل الله بها من سلطان كقاعدة "سد الذرائع" و ما شابهها؟

نص الجواب

رقم الفتوى

66663

16-مارس-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله فيك أخي السائل ووفقك، ومما لا شك فيه أن الشريعة بُنيت على اليسر ورفع الحرج والأدلة على هذا كثيرة، قال الله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} وقال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وجاء في الصحيحين عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا".

وروى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ".

وقد وضع الفقهاء هذا المعنى الجامع في قاعدة بلفظ: (المشقة تجلب التيسير)، وهذا التيسير لا ينفي التكليف، والتكليف لا يخلو من مشقة محتملة إلا في حالات معينة فيعسر على المكلف العمل؛ وعندها ينتقل إلى الرخصة التي نصّ الله عليها كالتيمم عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، والفطر في رمضان للمريض والمسافر؛ إلى غير ذلك من الرخص المنصوص عليها في الشرع.

وكذلك الرخص في مسائل الاجتهاد بين العلماء لا حرج أن يأخذ المكلف برخصة في مذهب آخر أو من عالم ثقة عند الحاجة بل ينبغي للعالم الثقة أن يبحث لمن ألمّت به مشقة أو وقع في حرج عن رخصة تُخلِّصه من ذلك، قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع (من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليصٍ من ورطةِ يمينٍ ونحوها فذلك حسن جميل: وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد).

وقد تقرر (أن اختلاف العلماء سعة ورحمة)، نقل الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرّني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة).

وجاء في شرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي الحنبلي (وإن اختلف عليه أي: على العامي مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم، والآخر بغيره تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح. اختاره القاضي والمجد، وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد، فإنه رضي الله تعالى عنه: سئل عن مسألة في الطلاق؟ فقال: إن فعل حنث، فقال السائل: إن أفتاني إنسان أن لا أحنث. قال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني حل. قال: نعم).

فهذا كله يدل على أنه لا حرج على العامي في الأخذ بما فيه رخصة من أقوال العلماء المعتبرين عند الحاجة، والحادثة التي ذكرتها في سؤالك منقولة عن الإمام أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة وقد أوردها العلامة العطار في شرحه على جمع الجوامع فقال (نقل صاحب الفتاوى البزازية أن الإمام أبا يوسف صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبروا بوجود فارة ميتة في بئر الحمام فقال إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا")، وليس فيما ذكرنا ولا في الحادثة التي ذكرتها في سؤالك؛ تتبعٌ للرخص وإنما فيها الخروج عن المذهب إلى مذهب آخر عند الحاجة وهذا يعتبر سيرٌ على المعهود الوسط فلا يذهب المكلف مذهب الشدة في كل حال، ولا يميل إلى طرف التساهل المؤدي إلى الانحلال من التكاليف قال الإمام الشاطبي في الموافقات (مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط.. ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين).

لذلك نقول للمكلف: لا تتّبِع الرّخصَ ولا تتبعِ الشدائد، فإن التكليف يجمع بين المشقة المحتمَلَة، والرخصة الموسِّعة والمكلف يدور بينهما دون إفراط ولا تفريط.

وبناء عليه فالذي يجب أن تدركه - أخي السائل - أن هنالك فرقا بين الأخذ بالرخص التي في المذاهب الأخرى عند الحاجة وبين أن يكون ديدن الإنسان تتبع الرخص وتلقُّطها من كل مذهب، قال الإمام السبكي رحمه الله في الإبهاج (والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص ومن هذا الوجه يصح أن يقال الاختلاف رحمة إذ الرخص رحمة)، إذن فالأخذ بالرخص التي في المذاهب الأخرى رحمة وسعة لكن عند مسيس الحاجة إليها وليس عند تتبعها.

مفهوم تتبع الرخص

تتبع الرخص يعني: أن يأخذ المكلف من كل مذهب ما هو الأهون والأخف فيما يقع من له المسائل.

ولذلك مرتبتان:

الأولى: تتبع ما عُدّ من الشواذ والهفوات التي وقعت من بعض العلماء ومعروف أن لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة لكن لا يتابع عليها وينبغي أن يُعتذر لعالم الذي حصلت منه الزلة ولا نُسقط رتبته بسببها.

قال الإمام الشاطبي في الموافقات (زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهةٍ ولا الأخذ بها تقليدًا له وذلك؛ لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدت زلة، وإلا فلو كانت معتدًّا بها؛ لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها).

ويدل على المنع من تتبع الزلات ما رواه الحاكم عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب)

الثانية: تتبع ما لا يُعدّ زلةً ولا شذوذا ولكن فيه سهولة بالنسبة للمذاهب الأخرى، وتتبع هذا النوع من الرخص منهيٌ عنه أيضاً وله حالتان:

الأولى: أن يترتب عليه تلفيقٌ في مسألة واحدة لا تصح في مذهب بمفرده كمن يقلد أبا حنيفة في عدم اشتراط الولي في عقد النكاح ويقلد مالكا في عدم اشتراط الشهود فهذا تتبعٌ للرخص أدّى إلى عمل لا يقول به إمام معتبر.

الثانية: أن لا يترتب عليه تلفيقٌ لمسألة لا يقول بها أحد من المجتهدين ومع ذلك فهذا التتبع ممنوع أيضاً عند جمهور العلماء لأن فيه ميلاً مع أهواء النفوس ورغباتها، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى؛ وجعل منعه أصلا متفقا عليه والتتبع مضاد لهذا الأصل كما قرره الإمام الشاطبي في الموافقات، وقال حجة الإسلام الغزالي في المنخول: (تخير أطيب المذاهب وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهبِ كلِ ذي مذهبٍ محالٌ لأمرين: أحدهما: أن ذلك قريب من التمني والتشهي، ويتسع الخرق على فاعله فينسل عن معظم مضايق الشرع بآحاد التوسعات التي اتفقت أئمة الشرع في آحاد القواعد على ردها، والآخر: أن اتباع الأفضل متحتم، وإذا اعتقد تقدم واحد تعين عليه اتباعه وترك ما عداه وتخير المذاهب يجر لا محالة إلى اتباع الفاضل تارة والمفضول أخرى).

وأجاز تتبع الرخص - في الحالة الثانية - عدد من العلماء ومنهم الكمال ابن الهمام الحنفي فقال في كتابه "فتح القدير" (وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته).

ولكن المعول عليه ما قرره أكثر العلماء في المنع من تتبع الرخص لما في ذلك من اتباع هوى النفس وتعويدها على التساهل والتفلت من التكاليف، وبناء عليه فيلزم المكلف أن يتبع مذهبا معينا أو يسأل من تيسر من العلماء المعتبرين ويأخذ بقولهم ولا يجعل من نفسه باحثا عن الأسهل والأيسر في كل مذهب أو عند كل عالم يلقاه.

ومن أنوار ما تقدم نقول إن الفتوى علم يوصله الفقيه إلى المستفتي بحق ليس فيه تحريف ولا تصريف وإنما هي أثواب مفصلة لائقة لكل لابس من غير زيادة ولا نقصان، فإن أعطاه أوسع مما يلبس رفضه اللابس وإن أعطاه أضيق مما يلبسه لا يستطيع عليه وإن أعطاه المناسب قبله واستراح وأراح، وهذه المعرفة في مقاييس اللابسين لا تكون إلا للمتخصصين الذين يعرفون كيف يفصلون الأثواب وبه ينالون الثواب ويسلمون من الاضطراب. والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    لا بد من التفريق بين تتبع الرخص بإطلاق وبين الأخذ بالرخصة عند الحاجة فالأول ممنوع عند أكثر العلماء لما فيه من اتباع هوى النفس وتعويدها على التساهل والتفلت من التكاليف، والثاني جائز رفعا للحرج ودفعا للمشقة، وعليه تدل الحادثة التي أوردتها في سؤالك، ونؤكد على أن من يأخذ برخصة منقولة عن بعض العلماء عليه أن يراعي أن لا تكون تلك الرخصة من الهفوات والزلات، كما عليه أن لا يلفق صورةً لا يقول بها عالم كأن يقلد أبا حنيفة في عدم اشتراط الولي في عقد النكاح ويقلد مالكا في عدم اشتراط الشهود فهذا تتبعٌ للرخص أدّى إلى عمل لا يقول به إمام مجتهد، والسلامة للمكلف أن يتبع مذهبا معينا برخصه وعزائمه، أو يسأل من تيسر له من العلماء المعتبرين ويأخذ بما أفتوه به دون أن يجعل من نفسه باحثا عن الأسهل والأيسر في كل مذهب أو عند كل عالم يسأله، وعليه فلا بد أن تفرق - أخي الكريم - بين الأخذ بالرخصة عند الحاجة وبين تتبع الرخصة بإطلاق فالأول جائز والثاني ممنوع. والله تعالى أعلم.