عنوان الفتوى: حكم رفع اليدين بالدعاء أثناء خطبة الجمعة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم رفع اليدين في الدعاء أثناء خطبة الجمعة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

65179

03-فبراير-2016

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإنّ رفع اليدين في الدعاء أثناء خطبة الجمعة له حالتان:

الأولى: عند دعاء الاستسقاء، والرفع فيه مستحب اتفاقاً؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة، .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا..).

كما يستحب رفع اليدين للخطيب ومن معه عند حدوث أمر يدعو لذلك كخوف عدو أو أمر ينوب؛ جاء في التاج والإكليل للمواق نقلاً عن ابن حبيب قال: (ليس من السنة رفع الأيدي بالدعاء عقب الخطبة إلا لخوف عدو، أو قحط، أو أمر ينوب فلا بأس يأمر الإمام لهم بذلك، ولا بأس أن يؤمنوا على دعائه ولا يعلنوا جداً ولا يكثروا).

وفي المدونة:(قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الإمام إذا أمر الناس بالدعاء وأمرهم أن يرفعوا أيديهم في مثل الاستسقاء، والأمر الذي ينزل بالمسلمين مما يشبه ذلك؟ قال: فليرفعوا أيديهم إذا أمرهم، قال: وليرفعوا رفعاً خفيفاً.. قال ابن القاسم: وأخبرني بعض من رأى مالكاً في المسجد يوم الجمعة ودعا الإمام في أمر، وأمر الناس أن يرفعوا أيديهم فرأى مالكاً فعل ذلك).

الحالة الثانية: رفعهما في غير دعاء الاستسقاء سواء كان ذلك للخطيب أو لمن معه، وفي هذه الحالة لم يرد في السنة الرفع بل ورد ما يخالفه، ففي صحيح مسلم أن عُمَارَةَ بنَ رُؤَيْبَةَ رضي الله عنه قال:(.. لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ: هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ). قال الإمام النووي في شرحه على مسلم:(فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنْ لَا يَرْفَع الْيَد فِي الْخُطْبَة وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ).

وفي المذهب قول بأن رفع اليدين مباح، نقله الإمام النووي في شرحه على مسلم فقال:(وَحَكَى الْقَاضِي-عياض المالكي- عَنْ بَعْض السَّلَف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة إِبَاحَته؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَة الْجُمُعَة حِين اِسْتَسْقَى).

وفي مصنف ابن أبي شيبة:«أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر».

وإباحة الرفع رواية عند الحنابلة كما في الفروع لابن مفلح وفي قول عندهم أنَّ الرفع مستحب، وعليه ابن عقيل، وهو ظاهر تبويب الإمام البخاري فقد قال: "باب رفع اليدين في الخطبة" وأورد فيه جزءاً من حديث أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا".

والمعتمد في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية كراهة رفع اليدين للخطيب؛ قال الإمام البغوي من الشافعية في شرح السنة:(رفع اليدين في الخطبة غير مشروع، وفي الاستسقاء سنة، فإن استسقى في خطبة الجمعة يرفع يديه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم).

وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الكبرى:(ويكره للخطيب رفعهما في حال الخطبة كما قاله البيهقي واحتج له بحديث في مسلم صريح فيه).

وفي الإقناع في فقه الحنابلة:(ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة ولا بأس أن يشير بإصبعه فيه).

وأما الحنفية فيمنع عندهم رفع اليدين أثناء الدعاء والتأمين باللسان جهراً؛ جاء في حاشية ابن عابدين:(وإذا شرع في الدعاء لا يجوز للقوم رفع اليدين ولا تأمين باللسان جهراً، فإن فعلوا ذلك أثموا، وقيل أساؤوا ولا إثم عليهم، والصحيح هو الاول وعليه الفتوى)، والجمهور على عدم الحرمة كما  سبق.

والنقول السابقة عن الفقهاء في حق الخطيب؛ وأما بالنسبة للمأمومين فهم تبع له كما هو مصرح به عند الحنفية والمالكية عند طلب الإمام ذلك منهم. 

وأما الشافعية والحنابلة فلم نقف لهم على نقل خاص في حق المأمومين، فيحتمل عندهم أنهم تبع للخطيب ويحتمل أنهم يرفعون عند دعائه مطلقاً بناء على الأصل وهو رفع اليدين عند الدعاء ولعدم ورود نهي خاص عنه، وتعبيرهم يوحي بهذا فإنهم ينصون على كراهة الرفع للخطيب كما سبق.

وبما أنَّ المسألة محل خلاف بين أهل العلم -كما رأينا- فإنَّ فيها سعة فلا ينكر على من رفع يديه، كما لا ينكر على من لم يرفع سواء كان خطيباً أو مستمعاً، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    يستحب رفع اليدين للخطيب ومن معه في الاستسقاء أو لأمر نزل بالمسلمين كخوف عدو ونحو ذلك ، وما سواه فلا يرفع الخطيب ولا من معه عند جمهور العلماء ، وأجازه بعضهم ، وبناء عليه فالمسألة محل خلاف بين أهل العلم، فلا ينكر على من رفع يديه ، كما لا ينكر على من لم يرفع سواء كان خطيباً أو مستمعاً، والله تعالى أعلم.