عنوان الفتوى: حكم عدم قبول الاستدلال بالسنة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أرجو منكم بيان حكم سلام المرأة الأجنبية على الرجل الأجنبي ، والدليل من القرآن الكريم! حيث إن إحدى  الأخوات لا تقتنع بهذا إلا بدليل من القرآن الكريم ، وتقول:إنه مصدر التشريع الوحيد وليس الاجتهاد أو الإجماع و غيرها. جزاكم الله خيراً .

نص الجواب

رقم الفتوى

6281

10-يوليه-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم دينك

فقد بينا في الفتاوى السابقة المرفقة حكم سلام المرأة على رجل أجنبي، وأما عدم القبول  بالاستدلال بالسنة النبوية المشرفة على صاحبها أعطر الصلاة وأزكى السلام ، فهذا خطأ فاحش وضلال مبين ، ومجانبة للحق الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشد وضوحاً من الشمس في رابعة النهار ، فلقد ورد في كتاب الله تعالى بما يزيد على سبعين موضعاً من أمر الله تعالى بوجوب طاعة رسول الله ، وأن طاعته من طاعة الله ، وأن معصيته معصية لله ، قال تعالى{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً }النساء:80 ، وقال تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الحشر:7.

وبيَّن تعالى أن الخير والهدى في طاعته ، كما قال تعالى{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }النور:54.

وحذَّر تعالى المخالفين له الذين لا يعبأون بأمره وأحكامه من عذاب الله المُحْدِق بالمخالفين له ، قال تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }النور:63.

وحذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الانحرافات ، أو الانسياق وراء هذه الأكاذيب والضلالات ، وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي في آخر الزمان من تمتلئ بطونهم ، وتنام عقولهم وتفتن قلوبهم عن إدراك الحق ، فيدَّعون أن أدلة الشرع ومصدر التشريع فقط هو في القرآن الكريم ، فدفع هذه الشبهة ، وردَّ هذا الباطل على وجهه ، وحذرنا من الاستسلام لهذا الغي ، مبيِّناً أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع ، وأنها الشارحة للقرآن والموضحة له ، فهي التي فصَّلت ما أجمله القرآن ، وخصَّصت ما عمَّمه القرآن ، وقيَّدت ما أطلقه القرآن ، وأزالت الإشكال عما بدا غير واضح في القرآن ، فهي السبيل لفهم القرآن ، ومفتاح الوصول للعمل به ، والمبينة له ، وترك السنة هو ترك للقرآن ، وإذا ضاع المُبيِّن لم يُنتفع بالمُجمل.

 ولذا فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن ما ينطقه إنما هو عن وحي ، وأن ما أنشأه صلى الله عليه وسلم من حكم بِإباحة أو تحريم إنما هو كما حَكَمَ الله ، كما أنه من عِند الله لا من قِبل هواه ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك ، قال تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }النجم3-4

وروى أبو داود والترمذي عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ"

وفي رواية الحاكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول : بيني وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه ، وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله "

قال الإمام جمال الدين القاسمي رحمه الله في قواعد التحديث :قال أبو البقاء في كلياته ((والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحياً منزلاً من عند الله بدليل (إن هو إلا وحي يوحي) ... عن الشافعي أنه قال (كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن قال لقوله "إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه" وقال (جميع ما تقوله الأئمة شرح للسنة جميع السنة شرح للقرآن) وقال (ما نزل بأحد من الدين نازلة إلا وهي في كتب الله تعالى).اهـ

وعليه : فلا يجوز لأحد أن ينكر ما اتفقت عليه الأمة بإجماع علماءها ، وارتضت العمل به ، واستقر استقاء الاستدلال عليها من مصادر التشريع المتعددة بعد القرآن والسنة ، كالإجماع والقياس والاجتهاد وغيرها.

وننصح مثل هؤلاء الأخوات وغيرهن أن يتنبهن إلى ما في هذا الكلام من خطورة ، وأن يُحسِنَّ الاستسلام والخضوع لأمر الله تعالى ، وأن يُحسِنَّ الطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، فطاعته صلى الله عليه وسلم دليل الخير وعنوان الإيمان وسبيل الفوز في الدنيا والآخرة ،  قال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }النساء:65 ، وقال تعالى {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }النور:51، والله أعلم .

  • والخلاصة

    سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال مشافهة بلا مصافحة جائز إذا أمنت الفتنة ، وأما المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية فمحرم، إذ لا يجوز للمرأة أن تُصافح غير محارمها، والتشريع الإسلامي لا يقتصر مصدره على القرآن الكريم فقط ، فلا يجوز لأحد أن ينكر ما اتفقت عليه الأمة بإجماع علماءها ، وارتضت العمل به ، واستقر استقاء الاستدلال عليها من مصادر التشريع المتعددة بعد القرآن والسنة ، كالإجماع والقياس والاجتهاد وغيرها ، والله أعلم  .