عنوان الفتوى: الفرق بين الرؤيا والحُلم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أعاني كثيراً من الأحلام المزعجة مع أنني في بعض الأحيان أقرأ أذكار النوم وأنام على طهارة، هذه الأحلام تعكر حياتي و تجعلني حزيناً مع أنني ـ والله ـ أعلم يقينا أنه لا نافع و لا ضار إلا ربي ومولاي سبحانه، أريد منك شيخي الحبيب أن تشرح لي كيف أعرف أن ما رأيت رؤيا أو حلم؟ وهل ما نراه يتحقق في الواقع من أحلام؟ أسألك الدعاء في ظهر الغيب؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

6057

22-يونيو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم دينك، وأن يبارك فيك، واعلم أن ما يراه الإنسان في منامه قد يكون رؤيا صالحة فهي من الله تعالى، فليحمد الله عليها، وقد يكون ما رآه مناماً مزعجاً فهو من الشيطان، ومع أن كلاً من الرؤيا والحلم من الله تعالى ومن خلقه وتدبيره وإرادته، إلا أن الرؤيا المحبوبة أضيفت إلى الله إضافة تشريف لكونها جاءت بما يسر الرائي، بخلاف الرؤيا المكروهة التي هي الحلم فقد أضيفت إلى الشيطان مع أن الكل من الله، إلا أنها أضيفت للشيطان تنزيهاً لله تعالى أن ينسب المكروه إليه، ولذا فقد روى البخاري ومسلم واللفظ له، في صحيحيهما عن أبي قتادة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ".

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيّ: مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْلُق فِي قَلْب النَّائِم اِعْتِقَادَات كَمَا يَخْلُقهَا فِي قَلْب الْيَقْظَان، وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَل مَا يَشَاء، لَا يَمْنَعهُ نَوْم وَلَا يَقِظَة، فَإِذَا خَلَقَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَات فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا عِلْمًا عَلَى أُمُور أُخَر يَخْلُقهَا فِي ثَانِي الْحَال، أَوْ كَانَ قَدْ خَلَقَهَا، فَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْب النَّائِم الطَّيَرَان، وَلَيْسَ بِطَائِرٍ، فَأَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ اِعْتَقَدَ أَمْرًا عَلَى خِلَاف مَا هُوَ، فَيَكُون ذَلِكَ الِاعْتِقَاد عِلْمًا عَلَى غَيْره، كَمَا يَكُون خَلْق اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْغَيْم عِلْمًا عَلَى الْمَطَر، وَالْجَمِيع خَلْق اللَّه تَعَالَى، وَلَكِنْ يَخْلُق الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَات الَّتِي جَعَلَهَا عِلْمًا عَلَى مَا يَسَّرَ بِغَيْرِ حَضْرَة الشَّيْطَان، وَيَخْلُق مَا هُوَ عِلْم عَلَى مَا يَضُرّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَان، فَيُنْسَب إِلَى الشَّيْطَان مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدهَا، وَإِنْ كَانَ لَا فِعْل لَهُ حَقِيقَة، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه وَالْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان"، لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَان يَفْعَل شَيْئًا؛ فَالرُّؤْيَا اِسْم لِلْمَحْبُوبِ، وَالْحُلْم اِسْم لِلْمَكْرُوهِ، وَقَالَ غَيْره: أَضَافَ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَة إِلَى اللَّه إِضَافَة تَشْرِيف بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَة، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى وَتَدْبِيره، وَبِإِرَادَتِهِ، وَلَا فِعْل لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا، لَكِنَّهُ يَحْضُر الْمَكْرُوهَة، وَيَرْتَضِيهَا، وَيُسَرّ بِهَا .اهـ

وكما ورد في الحديث فإن من آداب الرؤيا أنها إذا كانت صالحة فليحمد الله، وليطلب تعبيرها من ذي رأي عارف بالتأويل، ولا يحدث بها إلا من يحب أو من غلب على ظنه أنه يحب له الخير خشية أن يحسده على ما فتح الله عليه في رؤياه من البشر والخير، قال تعالى حكاية عن نبي الله يعقوب لما أخبره ولده نبي الله يوسف عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام برؤيته للشمس والقمر ساجدين له: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ* قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }[يوسف:4-5].

أما إذا رأى ما يكرهه من الأحلام فليتعوذ بالله منها ولينفث عن يساره ثلاثاً طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَة تَحْقِيرًا لَهُ، وَاسْتِقْذَارًا، كما أن الْيَسَار مَحَلّ الْأَقْذَار وَالْمَكْرُوهَات، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ولا يذكرها لأحد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحديث بها، وأخبر أنها لا تضره إذا لم يحدث بها، كما روى أحمد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، فإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره".

قال الإمام النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم في الرؤية المكروهة: ولا يحدث بها أحداً فسببه أنه ربما فسره تفسيراً مكروهاً على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً فوقعت بتقدير الله تعالى، أهـ.

وقد تكون الرؤيا حديث نفس يفكر الإنسان في أمرٍ ما، فيراه في منامه، كما ورد في شعب الإيمان للبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، والرؤيا ثلاث الرؤيا الحسنة بشرى من الله عزَّ وجلَّ، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فلا يحدث بها أحدا وليقم فليصل".

وأما وقوع الرؤيا فحاصل بل هو واقع بالفعل، وهذا يرجع بدرجة كبيرة إلى صدق الإنسان مع الله تعالى في نفسه ولسانه وحاله، فكلما ازداد الرجل صدقا وصلاحا كلما غلب الصدق على رؤياه، كما روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: (قال المهلب: فالناس على هذا ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، وما عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم ثلاثة أقسام: مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقه والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جداً، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً)، أهـ.

ومع هذا فالرؤيا يستأنس بها وهي من المبشرات، كما في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رصي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ"، وزاد مالك في الموطأ:" الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ".

 فهي ليست مصدرا لتلقي الأحكام ولا يبني الإنسان عليها أمرا في دينه أو دنياه يعمل بمقتضاها امتثالا أو اجتنابا، ولا يمكن القطع بتحققها لأن ذلك مما لا سبيل إلى القطع به لأنه من علم الغيب الذي اختص الله به، ومما يعين على التوقي من الأحلام المزعجة أثناء النوم المحافظة على أذكار النوم الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنوم على وضوء مع قراءة آية الكرسي فقد ثبت في حديث أبي هريرة الطويل الذي أخرجه البخاري ، وفيه قَالَ:" إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ"..، وكذا خواتيم سورة البقرة والمعوذات...إلخ مع الإكثار من الطاعات، والإكثار من ذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم، والابتعاد عن المعاصي، وعدم الإثقال في الأكل قبل النوم، والله أعلم .

  • والخلاصة

    الرؤيا المحبوبة أضيفت إلى الله إضافة تشريف لكونها جاءت بما يسر الرائي، بخلاف الرؤيا المكروهة التي هي الحلم فقد أضيفت إلى الشيطان مع أن الكل من الله، إلا أنها أضيفت للشيطان تنزيهاً لله تعالى أن ينسب المكروه إليه، ومن آداب الرؤيا إذا كانت صالحة أن يحمد الله، وليطلب تعبيرها من ذي رأي عارف بالتأويل، ولا يحدث بها إلا من يحب أو من غلب على ظنه أنه يحب له الخير، أما إذا رأى ما يكرهه فليتعوذ بالله منها ولينفث عن يساره ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ولا يذكرها لأحد، ووقوع الرؤيا راجع بدرجة كبيرة إلى صدق الإنسان مع الله تعالى في نفسه ولسانه وحاله، ومع هذا فالرؤيا ليست مصدرا لتلقي الأحكام، وإنما هي من المبشرات، والله أعلم.