عنوان الفتوى: شرح حديث " وإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا "

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ماذا يعنى الرسول الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم: "ولو تأمر عليكم عبد حبشي " فالبعض يأخذها من باب التصغير بالأحباش؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5873

21-يونيو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك.

وأما الحديث المذكور فقد روى الأئمة أحمد وأبو داود وابن ماجه بسندٍ صحيح عن العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ:" أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".

والمراد وجوب طاعة من ولاه الله تعالى أمور الناس من الأمراء، ووجوب طاعة من ولاه الأمراء من الولاة على الناس، وعدم مخالفتهم أو الخروج عليهم إلا إذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهم، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان هذا الأمير أو الوليّ عبداً حبشياً،وقد خرج هذا اللفظ منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في طاعة ولي الأمر، وإن كان دونهم في الخلق أو كان دنيء النسب، قال الشيخ ملا علي القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح: وإن كان أي المطاع يعني من ولاه الإمام عليكم عبدا حبشيا فأطيعوه ولا تنظروا إلى نسبه بل اتبعوه على حسبه ولفظ الأربعين وإن تأمر عليكم عبد أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته أو ولو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن فعليكم بالصبر والمداراة حتى يأتي أمر الله، وقيل هذا وارد على سبيل الحث والمبالغة على طاعة الحكام لا التحقيق كما قال عليه الصلاة والسلام:" من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" أهـ، ولذا فقد روى مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ:" إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ".

فالمعنى جواز إمارة العبد وليس معنى الحديث انحطاط  قدر العبيد أو الأحباش، بل إن الإسلام سوَّى بين الناس جميعاً، ونهى عن احتقار المسلم لأخيه، وجعل الفضل بين الناس بتقوى الله كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }[الحجرات:13]، وجعل الناس سواسية كأسنان المُشط.

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"، وروى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"، والله أعلم.

  • والخلاصة

    ليس معنى الحديث انحطاط  قدر العبيد أو الأحباش، بل إن الإسلام سوَّى بين الناس جميعاً، ونهى عن احتقار المسلم لأخيه، وجعل الفضل بين الناس بتقوى الله، ولكن المراد وجوب طاعة من ولاه الله تعالى أمور الناس من الأمراء، ووجوب طاعة من ولاه الأمراء من الولاة على الناس، وعدم مخالفتهم أو الخروج عليهم إلا إذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهم، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان هذا الأمير أو الوليّ عبداً حبشياً، وإنما خرج هذا اللفظ منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في طاعة ولي الأمر، وإن كان دونهم في الخلق أو كان دنيء النسب، والله أعلم.