عنوان الفتوى: توقير الكبير والنهي عن الدعاء على الآخرين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

اليوم بعد صلاة الظهر حصل شجار بيني و بين أختي الكبري مني سناً بسبب أني أمنتها على شيء ولم تؤد الأمانة، فبدأت بالدعاء عليها بأن الله لا يوفقها في حياتها ثم أخذت بقذفي و سبي والدعاء علي و أخذت تردد هذا الشيء و أنا كنت ملتزمة الصمت و نادمة على دعائي على أختي الأكبر مني سناً فماذا يجب أن أفعل؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

5860

21-يونيو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالجواب عن سؤالكم من ثلاث جوانب، هو وجوب احترام الكبير، والنهي عن الاعتداء في الدعاء، والنهي عن السباب.

الجانب الأول: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوقير الكبير وتعظيمه واحترامه وعدم التقدم عليه إلا لضرورة، روى الترمذي بسنده قال حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ زَرْبِيٍّ قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا"، والواجب على المسلم أن يكون دائما موقرا لإخوانه الكبار، ومراعياً لحقوقهم.

الجانب الثاني: نهينا شرعا عن السباب والشتم والألفاظ البذيئة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَة"، وروى أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا".

وقد ذكر الإمام النووي رحمه في شرح صحيح مسلم: فِيهِ الزَّجْر عَنْ اللَّعْن، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يَكُون فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات الْجَمِيلَة، لِأَنَّ اللَّعْنَة فِي الدُّعَاء يُرَاد بِهَا الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى، وَلَيْسَ الدُّعَاء بِهَذَا مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ بَيْنهمْ وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى، وَجَعَلَهُمْ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا، وَكَالْجَسَدِ الْوَاحِد، وَأَنَّ الْمُؤْمِن يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ، فَمَنْ دَعَا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم بِاللَّعْنَةِ، وَهِيَ الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى، فَهُوَ مِنْ نِهَايَة الْمُقَاطَعَة وَالتَّدَابُر، وَهَذَا غَايَة مَا يَوَدّهُ الْمُسْلِم لِلْكَافِرِ، وَيَدْعُو عَلَيْهِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح " لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ " لِأَنَّ الْقَاتِل يَقْطَعهُ عَنْ مَنَافِع الدُّنْيَا، وَهَذَا يَقْطَعهُ عَنْ نَعِيم الْآخِرَة وَرَحْمَة اللَّه تَعَالَى، وَقِيلَ: مَعْنَى لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ فِي الْإِثْم، وَهَذَا أَظْهَر)أهـ.

وقد نهى النبي صلى الله عليه والسلام الاعتداء في الدعاء، كما روى ابو داود رحمه في سننه: عَنْ أَبِي نَعَامَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ سَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ.

وجاء في فيض القدير قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه اهـ، قال ابن حجر: الاعتداء فيه يقع بزيادة ما فوق الحاجة أو يطلب ما يستحيل حصوله شرعا أو يطلب معصية أو يدعو بما لم يؤثر سيما ما ورد كراهيته كالسجع المتكلف وترك المأثور قال ابن القيم: إذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى:{إن الله لا يحب المعتدين}[المائدة:87].

ومن جميع ما تقدم ينبغي أن لا يجاوز حدود الأدب وأن لا يعتدي على الآخرين وإن وقع منه شي فليبادر إلى التوبة و الاعتذار، وطلب العفو حتى تبرأ ذمته، والله أعلم.

  • والخلاصة

    يجب على المسلم أن لا يجاوز حدود الأدب وأن لا يعتدي على الآخرين وإن وقع منه شي فليبادر إلى التوبة والاعتذار، وطلب العفو حتى تبرأ ذمته، والله أعلم.