عنوان الفتوى: النظر إلى المحرمات من الصغائر (اللمم) ما لم يصحبه إصرار

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل النظر إلى المحرمات يعتبر من الكبائر؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5771

07-يونيو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالكِ، وزادك حرصاً، وبارك فيك،

واعلم رعاك الله أن غضُّ البصر عن محارم الله واجب على كل مسلم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النظر عبر التلفاز أو الإنترنت أو الصور المطبوعة أو النظر حقيقة إلى أعيان النساء، حيث أمرنا الله بحفظ البصر عن الحرمات أو حتى عمن يجوز النظر إليهم إذا كان النظر إليهم بشهوة، والأمة مُجْمِعَةٌ على وجوب حفظ البصر عن الحرام على الرجال والنساء، قال الشيخ النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني : ((...(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ كَفُّ عَيْنَيْهِ (عَنْ نَظَرِ) جَمِيعِ (الْمَحَارِمِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ لِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَا لِأَمْرَدَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ...)اهـ. 

وقد نص العلماء على أن النظر إلى الحرمات من الصغائر (اللمم) التي وردت في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ}[النجم:32].

وروى مسلم عن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ، مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ " .

إلاأنهم نصوا على اجتناب الكبائر مما يغفر الله به الصغائر، كما قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم وَأَمَّا قَوْل اِبْن عَبَّاس: مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، فَمَعْنَاهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة} وَمَعْنَى الْآيَة وَاَللَّه أَعْلَم الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الْمَعَاصِي غَيْر اللَّمَم يَغْفِر لَهُمْ اللَّمَم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ}[النساء:31] فَمَعْنَى الْآيَتَيْنِ أَنَّ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر يُسْقِط الصَّغَائِر، وَهِيَ اللَّمَم، وَفَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّظَر وَاللَّمْس وَنَحْوهمَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير اللَّمَم، ومع هذا فارتكاب الصغيرة بالادمان وعدم المبالات بهايجعلها من الكبائر، وذلك بإصرار المكلف على ارتكاب الصغيرة، والقاعدة تقول: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: (قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه: وَالْإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة يَجْعَلهَا كَبِيرَة، وَرُوِيَ عَنْ عُمَر، وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ: لَا كَبِيرَة مَعَ اِسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَبِيرَة تُمْحَى بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّغِيرَة تَصِير كَبِيرَة بِالْإِصْرَارِ قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام فِي حَدِّ الْإِصْرَار: هُوَ أَنْ تَتَكَرَّر مِنْهُ الصَّغِيرَة تَكْرَارًا يُشْعِر بِقِلَّةِ مُبَالَاته بِدِينِهِ إِشْعَار اِرْتِكَاب الْكَبِيرَة بِذَلك، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذَا اِجْتَمَعَتْ صَغَائِر مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاع بِحَيْثُ يُشْعِر مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِر بِهِ أَصْغَر الْكَبَائِر، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه: الْمُصِرُّ مَنْ تَلَبَّسَ مِنْ أَضْدَاد التَّوْبَة بِاسْمِ الْعَزْم عَلَى الْمُعَاوَدَة أَوْ بِاسْتِدَامَةِ الْفِعْل بِحَيْثُ يَدْخُل بِهِ ذَنْبُهُ فِي حَيِّز مَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْوَصْف بِصَيْرُورَتِهِ كَبِيرًا عَظِيمًا، وَلَيْسَ لِزَمَانِ ذَلِكَ وَعَدَده حَصْرٌ وَاَللَّه أَعْلَم)أهـ فالصغائر تتحول كبائر بالإصرار عليها، كما أن الله يمحو الكبائر بالاستغفار.

وقال الإمام ابن بطال رحمه الله في شرحه أيضاً: إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله، وإن لم تكن لهم كبائر... والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر بالإصرار عليها والتمادى فيها، وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أسلم أبى عمران أنه سمع أبا أيوب يقول: إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها ويغشى المحقرات، فيلقى الله يوم القيامة وقد أحاطت به خطيئته، وإن الرجل ليعمل السيئة، فما يزال منها مشفقًا حذرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا)أهـ، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    غضُّ البصر عن محارم الله واجب على كل مكلف، وقد نص العلماء على أن النظر إلى الحرمات من الصغائر، إلا أن ارتكاب الصغيرة يصيرها من الكبائر،  بإصرار المكلف على ارتكابها ، والقاعدة تقول: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، والله أعلم.