عنوان الفتوى: آداب الدعاء والأوقات والأزمان الفاضلة في إجابة الدعاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هي أركان ووقت الدعاء المستجاب؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5745

07-يونيو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أن الله تعالى دعا عباده إلى أن يدعوه ليلاً ونهاراً، وأن يسألوه سراً وجهراً، ووعدهم أن يجيب دعاءهم، فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }[غافر60]، وقال تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }[البقرة:186]، وجعل الله تعالى لإجابة الدعاء شروطاً، فمن استوفاها يُرجى لدعائه أن يستجيبه الله تعالى، ومنها:

1- الإخلاص لله في دعائه، وأن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بذلك.

2-  حضور القلب، والتضرع والخشوع والرغبة والرهبة والجزم في الدعاء واليقين بالإجابة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد و الترمذي وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال:" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافل لاهٍ".

3- الابتعاد عن المعاصي والتوبة منها، وترك المظالم، وإطابة المطعم والمشرب والملبس لأن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، والدليل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }[المؤمنون:51] وَقَالَ{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}[البقرة:172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".
وعلى الداعي أن يتعرف على الأوقات والمواطن التي يستجاب فيها الدعاء ، فمن هذه الأوقات :

ـ الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وهو وقت النزول الإلهي، وهو وقت يتودد الله فيه إلى عباده بإجابة دعائهم وقضاء حوائجهم، وغفران ذنوبهم، وكذلك الدعاء باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، فقد روى البخاري ومسلم واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ".

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "وخص أخر الليل لأنه وقت التعرض لنفحات الرحمة وزمن عبادة المخلصين ولأنه وقت غفلة واستغراق نوم والتذاذ به ومفارقة اللذة والدعة صعب سيما لأهل الرفاهية فمن آثر القيام لمناجاته والتضرع إليه فيه دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه فلذلك خص ذلك الوقت بالتنزل الإلهي الرحمني، وفيه أن الدعاء في الثلث الأخير مجاب وتخلفه في البعض لخلل في الداعي أو الدعاء "اهـ.

ـ وكذلك الدعاء عند نزول المطر، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وعند إقامة الصلاة، وفي دبرها، وعند السجود، وعند رؤية الكعبة، وعند التقاء الصفوف، وَفِي مستدرك الْحَاكِم وقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما مَرْفُوعاً:" إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء، واستجيب الدُّعَاء، فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي".

وروى البيهقي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة".

وروى أيضاً عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: وقد حفظت عن غير واحد، طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة.

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: "قال الغزالي: شرف الأوقات يرجع بالحقيقة إلى شرف الحالات فحالة القتال في سبيل الله يقطع عندها الطمع عن مهمات الدنيا ويهون على القلب حياته في حب الله وطلب رضاه وكذا يقال بنحوه في الباقي "أهـ.

ـ وكذلك الدعاء يوم الجمعة في الساعة الأخيرة منه، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ:" فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: "قَالَ الْقَاضِي: اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْت هَذِهِ السَّاعَة وَفِي مَعْنَى قَائِم يُصَلِّي، فَقَالَ بَعْضهمْ: هِيَ مِنْ بَعْد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب، قَالُوا: وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو، وَمَعْنَى قَائِم: مُلَازِم وَمُوَاظِب كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا} وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مِنْ حِين خُرُوج الْإِمَام إِلَى فَرَاغ الصَّلَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ حِين تُقَام الصَّلَاة حَتَّى يَفْرُغ، وَالصَّلَاة عِنْدهمْ عَلَى ظَاهِرهَا، وَقِيلَ: مِنْ حِين يَجْلِس الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر حَتَّى يَفْرُغ مِنْ الصَّلَاة، وَقِيلَ: آخِر سَاعَة مِنْ يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ هَذَا آثَار مُفَسِّرَة لِهَذِهِ الْأَقْوَال، قَالَ: وَقِيلَ: عِنْد الزَّوَال، وَقِيلَ: مِنْ الزَّوَال إِلَى أَنْ يَصِير الظِّلّ نَحْو ذِرَاع، وَقِيلَ: هِيَ مَخْفِيَّة فِي الْيَوْم كُلّه كَلَيْلَةِ الْقَدْر. وَقِيلَ: مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس. قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَال أَنَّ هَذَا كُلّه وَقْت لَهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُون فِي أَثْنَاء ذَلِكَ الْوَقْت لِقَوْلِهِ:" وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلهَا"، هَذَا كَلَام الْقَاضِي  وَالصَّحِيح بَلْ الصَّوَاب مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَا بَيْن أَنْ يَجْلِس الْإِمَام إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاة".
ـ وكذلك الدعاء عند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة، لما روى الطبراني في الكبير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ".

وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذا عاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه "، قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاء من كل داء.

ـ وكذلك الدعاء في ليلة القدر، وفي رمضان، ودعاء الصائم، ودعاء المسافر، ودعاء المظلوم، دعوة الوالد، لما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم".
وأما المواضع التي يستجاب فيها الدعاء فهي الأماكن المشهود لها بالبركة، وورد الأثر الصحيح بشأن إجابة الدعاء فيها، ومنها:

الدعاء عند الكعبة، وخاصة عند الحجر الأسود، وعند الملتزم، وهو الجزء الواقع بين باب الكعبة والحجر الأسود، لما روى البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وعند الركن اليماني، وأثناء الطواف، وعند شرب ماء زمزم، و الدعاء على الصفا والمروة، والدعاء عند المشعر الحرام، والدعاء في يوم عرفة لمن كان بعرفة، والدعاء عند رمي الجمار، وفي أيام منى لمن كان بمنى، وفي الروضة الشريفة بين قبره صلى الله عليه وسلم ومنبره.

ومع ذلك العطاء الإلهي الموقوف على سبب من الأسباب، سواء كان السبب قولاً لسانياً أو فعلاً أركانياً كإنفاق بالمال مثلاً، فإن هذا تشريع متعلِّق بوعده الصادق، والوعد الصادق لا يتخلف، لكن لا يعني أن يعطي الله في الحال، وربما يجعله في المآل، فحكمته تعالى تقتضي أحياناً تعجيل إجابة الدعاء، وأحياناً تقتضي تأخيره أو ادخاره في الآخرة، وأحياناً تقتضي أن يصرف عنه مثلها من الشر.

وقد يستجمع العبد أسباب الإجابة من الآداب وشرف الزمان والمكان وتتخلف الإجابة، فلله تعالى في ذلك حِكم، فإن اقتضت حكمته تعالى تعجيل الخير لعبده عجَّل له ذلك، وإن اقتضت حكمته أن هذا العطاء بمقتضى الوعد الصادق لا يصلح إلا في الدار الآخرة أخَّرها له رحمة بعبده، وقد تقتضي حكمته أن يصرف عنه من الشر مثلها، فعلى هذا ينبغي للعبد ألا يستعجل، ولا يظن السوء بوعد الله الصادق، والله أعلم.

  • والخلاصة

    جعل الله تعالى لإجابة الدعاء شروطاً وآداباً، وكذلك وعد بالإجابة في بعض الأوقات والأماكن لشرفها وبركتها، فمن استوفاها يُرجى لدعائه الإجابة، ومع ذلك فقد يستجمع العبد أسباب الإجابة وتتخلف الإجابة، فلله تعالى في ذلك حِكم، فإن اقتضت حكمته تعالى تعجيل الخير لعبده عجَّل له ذلك، وإن اقتضت حكمته أن هذا العطاء بمقتضى الوعد الصادق لا يصلح إلا في الدار الآخرة أخَّرها له رحمة بعبده، وقد تقتضي حكمته أن يصرف عنه من الشر مثلها، فعلى هذا ينبغي للعبد ألا يستعجل، ولا يظن السوء بوعد الله الصادق، والله أعلم.