عنوان الفتوى: حكم الدعاء على الناس

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

والدتي هداها الله تدعو على الناس كثيرا وأنا حبي لها وخوفي عليها من كثرة الدعاء على الناس يحزنني ولا أعلم ماذا أفعل؟ وللعلم أحاول أن أنصحها بطريقة لا تضايقها ولكن لا فائدة، تدعو بدعوات أحيانا أحس بخوف عليَّ وعلى إخوتي وعليها أيضا من هذه الدعوات أن ترجع علينا، ولا أعلم ماذا أفعل؟ فهي كبيرة وأنا خائفة عليها وخاصة أنها من الأشخاص الذين لا ينتصحون، أرجو من فضيلتكم إفادتي فأنا لم أرسل سؤالي إلا بعد فشلي معها بكل الطرق.

نص الجواب

رقم الفتوى

5611

27-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاكِ الله خيراً أيتها السائلة الكريمة على سؤالكِ، وزادكِ حرصاً، وبارك فيك على هذا البِرِّ بأمك.

واعلمي أنه قد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز كل دعاء دنيوي، أو أخروي ما لم يكن إثما، أو قطيعة رحم فقد روى الترمذي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:" مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ؛ إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:" اللَّهُ أَكْثَرُ". رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها .

ودعاء أمكِ إن كان على من ظلمها فهو جائز، ومما يدل على جواز الدعاء على الظالم ولو كان مسلماً ما رواه مسلم في صحيحه عن عروة عن أبيه أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم!! قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين". فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.

أما إذا كان دعاؤها على أحد بغير حق كانت هي الظالمة، ولم يستجب الله لها، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: "لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم".

وذلك لما في هذا الدعاء من الاعتداء، وسوء الظن بالله، وتمني الشر والضرر والفساد للناس، وعدم الترفق بهم، والعفو عنه، ومعاملتهم بحبٍ ومودة، وإرادة الخير لهم، وهذه أخلاق تتنافى مع الإيمان، ولا يصح أن يكون مكنون طويَّة مسلم بهذا السوء، وأين أمكِّ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:" لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" متفق عليه. هل تحب أن يدعو الناس عليها أو على أولادها بالسوء؟ وإذا كان الجواب ـ بالطبع ـ لا ؟ فلماذا ترضاه لغيرها ؟ قال العلامة الخرشي المالكي رحمه الله في شرحه على مختصر خليل: يجوز الدعاء على الظالم بعزله كان ظالما له أو لغيره والأولى عدم الدعاء على من لم يعم ظلمه فإن عم فالأولى الدعاء وينهى عن الدعاء عليه بذهاب أولاده وأهله أو بالوقوع في معصية؛ لأن إرادة المعصية معصية أو بمؤلمات تحصل له فوق ما يستحقه وفي جواز الدعاء بسوء الخاتمة قولان الراجح كما قاله ابن ناجي وغيره المنع خلافا للبرزلي.اهـ

ونحن ننصح هذه الأم أن تحفظ لسانها عن الدعاء على الناس بغير حق ، لما فيه من الاعتداء والإجحاف بالغير، وهذا يتنافى مع الرفق الذي أمر الله به، ويتنافى مع معاني الأخوة التي قال الله عنها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }[الحجرات:10].

ولتعلم هذه الأم أن حرمان الرفق بالغير من حرمان الخير، فقد روى مسلم عَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ".

  وروى أحمد بسندٍ صحيحٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا:" إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ".

ومع ذلك فنحن ننصحكِ أختي السائلة أن تنصحي أمكِ أن تُقلع عن الدعاء على الناس، ولا تملِّي من نصحها، حتى وإن كانت لا تستجيب لكِ الآن، فعسى أن تستجيب فيما بعد، واصبري عليها، وذكريها بالله وبموقفها بين يديه تعالى، وكيف تحب أن يعاملها به من العفو والمسامحة، فينبغي أن تتعامل مع الناس بما تحب أن يعاملها الله به، ولا يحملكِ ما تجدين منها من الدعاء على الناس على أن تنهريها أو تتعاملي معها بغير ما أمر الله به من مطلق البرِّ، ولكن أحسني معاشرتها، ولا تنسي أن من أهم الأدوية في هذا الجانب أن تذكريها في دعاءك أن يهديها الله، وأن يأخذ بمجامع قلبها إليه، وألحِّي على الله في ذلك، ومن أدمن طرق الباب يوشك أن يُفتح له، ولعل دعاءك يصادف ساعة إجابة يشرح الله فيه صدرها لأنوار الرحمة والرفق والهداية لما يحبه ويرضاه، والله الموفق.

  • والخلاصة

    ينبغي على هذه الأم أن تحفظ لسانها عن الدعاء على الناس بغير حق، لما فيه من الاعتداء والإجحاف بالغير، وهذا يتنافى مع الرفق الذي أمر الله به، ويتنافى مع معاني الأخوة التي وصف المؤمنين بها، ويجب عليكِ أختي السائلة أن تنصحي أمكِ، واصبري على نصحها، واذكريها في دعاءك أن يهديها الله، وأن يأخذ بمجامع قلبها إليه، ولعل دعاءك يصادف ساعة إجابة يشرح الله فيه صدرها لأنوار الرحمة والرفق والهداية لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.