عنوان الفتوى: شرب الحرام من موانع إجابة الدعاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يستجيب الله الدعاء من شخص يشرب الخمر والعياذ بالله؟ ولكن سبحان الله هو بارٌّ كثيراً بكل أهله، ويتصدق كثيراً ويحسن لكل أهله ومن سأله، ويصلي ويعتمر كل سنة ويحسن إلى الناس جميعا وخاصة من كان من أهله، فكل أهله يدعو له كثيراً، هل يستجيب الله الدعاء ؟ وبماذا تنصحونه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5522

21-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم هداكَ الله لما يحبه ويرضاه أن إجابة الدعاء لها شروط، فمن استوفاها يُرجى لدعائه أن يستجيبه الله تعالى، ومنها: الإخلاص لله في دعائه، وألا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم، وأن يوقن بالإجابة، وألا يأكل الحرام، لأن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، والدليل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وَقَالَ{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".

ولا فرق بين أن يكون الحرام مأكولاً أو مشروباً أو ملبوساً، فالمحرم هو تعاطي الحرام بأي شكلٍ كان

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وَفِيهِ: أَنَّ الْمَشْرُوب وَالْمَأْكُول وَالْمَلْبُوس وَنَحْو ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَة فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّعَاء كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِنَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْره...قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَأَنَّى يُسْتَجَاب لِذَلِكَ )أَيْ مِنْ أَيْنَ يُسْتَجَاب لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ؟ وَكَيْفَ يُسْتَجَابُ لَهُ؟

وقال أيضاً رحمه الله في شرح الأربعين حديثاً له: وقوله: " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر" إلى آخره معناه والله أعلم. يطيل السفر في وجوه الطاعات: الحج والجهاد، وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حرام فكيف بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير، وقوله: " يمد يديه " أي يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه، وقوله: " وغُذي بالحرام " هو بضم الغين المعجمة، وتخفيف الذال المكسورة. وقوله: " فأنى يستجاب له؟ " وفي رواية: " فأنى يستجاب لذلك؟ " يعني من أين يستجاب لمن هذه صفته، فإنه ليس أهلاً للإجابة، لكن يجوز أن يستجيب الله تعالى له تفضلاً ولطفاً وكرماً والله أعلم.اهـ

ومن هذا المُحَرَّم الذي يمنع إجابة الدعاء شرب الخمر، والذي ننصحه به، بل الواجب على هذا الرجل ـ هداه الله ـ أن يترك شرب الخمر وأن ينزع عنها تماماً لما ورد فيها من تهديدٍ ووعيدٍ لمن شربها أو كان سبباً فيها، لأنها أم الخبائث كما أنها من أكبر الكبائر، كما روى الطبراني بإسناد صحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أبا بكر وعمر وناسا جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله فأخبرني: أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم فأكثروا ذلك ووثبوا إليه جميعا حتى أتوه في داره فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل نفسا أو يزني أو يأكل لحم خنزير أو يقتلوه فاختار الخمر وإنه لما شرب الخمر لم يمتنع من شيء أرادوه منه". وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا حينئذ:" ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية".

كما أن شاربها يستحق لعن الله له، فقد روى أحمد بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقاها".

ويُحرم شاربها من خمر الآخرة حتى وإن دخل الجنة، كما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة". وزاد البيهقي "وإن دخل الجنة".

وننصحه أيضاً بالحرص على الإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن وحضور صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، وليحرص أيضاً على أن يصحب رفقةً صالحة تعينه على طاعة الله وتذكره بالله ، وليبتعد عن الصحبة السيئة، وكذا عن غيرها من الأسباب التي دفعته إلى المعصية.

نسأل الله أن يهديَه وأن يتوب عليه، وأن يشرح صدره بنور الإيمان، وأن يحبب إليه الإيمان ويزينه في قلبه، وأن يُكرِّه إلى قلبه الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعله من الراشدين، والله أعلم.

  • والخلاصة

    ارتكاب المعاصي وتعاطي الحرام ومنه شرب الخمر يمنع إجابة الدعاء، وننصح هذا الرجل بل الواجب عليه أن يترك شرب الخمر وأن ينزع عنها تماماً لما ورد فيها من تهديدٍ ووعيدٍ لمن شربها أو كان سبباً فيها، وننصحه أيضاً بالحرص على الإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن وحضور صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، وليحرص أيضاً على أن يصحب رفقةً صالحة تعينه على طاعة الله وتذكره بالله، وليبتعد عن الصحبة السيئة، وكذا عن غيرها من الأسباب التي دفعته إلى المعصية، والله أعلم.