عنوان الفتوى: حكم العزوف عن الزواج

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم من لم يرد الزواج لأسباب كثيرة منها أنه عصبي وغيور وأنه لا يريد أن يقصر في واجبه تجاه أهله وعمله؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5432

20-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها السائل الكريم، وبارك فيكِ، وزادك حرصاً.

فاعلم هداكَ الله لما يحبه ويرضاه، أن الله تعالى ربط بين الجنسين ـ الذكر والأنثى ـ برباط نفسي وعاطفي قوي، فلا يستطيع الرجل أن يستغني عن المرأة ، كما لا تستطيع المرأة أن تستغني عن الرجل، فالنساء للرجال خُلقن، ولهنَّ خُلِقَ الرجال، فكلٌّ منهما يُكمل الآخر، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }[الروم:21].

ولذا شرع الله تعالى الزواج، وحثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وندب إليه ورغَّب فيه، محافظةً على النسل وإبقاء للجنس البشري وإشباعاً للغرائز، وسكناً للنفوس.

فالزواج مشروع ومندوب إليه عند جمهور الفقهاء، ويصبح واجباً عندما يخاف الشاب أو الفتاة على نفسيهما الزنا، أما إن كان الإنسان واثقاً من نفسه وأن اختياره أو اختيارها العزوبية لن يؤثر على دينه ولن يدفعه للخطيئة فلا شيء عليه، رغم أن ذلك مخالف للسنة الإنسانية والفطرة البشرية بإنجاب الأولاد وعمارة الكون، ولندب النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، فقد روى مسلم في صحيحه.

عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ".

ومع هذا فلا يصحُّ العزوف عن الزواج بالكلية رجاء الانقطاع للعبادة أو خوف التقصير في العدل في حق الزوجة أو بسبب العصبية من الزوج، ففي هذا تعطيل للفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية، ومخالفة لطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه لما أراد بعضهم ترك الزواج حتى لا يُشغله عن العبادة، ففي صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ:" مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

كما أن المشكلات التي يخاف منها بعض الرجال كالعصبية والغيرة أو خوف التقصير في حقها أو غيرها من الإمكان أن يتغلب الزوجان عليها، وذلك بالتعاون والاتفاق فيما بينهما على أن يتفهم كلٌّ منهما طبيعة الآخر، وحقيقة مشاعره بما لا يجعل أحدهما يستفز الآخر أو يثير غضبه وحفيظته، فإن حدث ما يُخاف حدوثه من عصبية أو غيرة فيمكن تلاشي الصدام بينهما بالصبر والنصيحة وذكر الله والبعد عن الغضب ومراقبة الله في ردِّ الفعل على كل حال، ومما يُعين على هذا حُسنُ اختيار الزوجة، فالزوجة الصالحة كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ". رواه ابن ماجه، والله أعلم.

  • والخلاصة

    الزواج مشروع ومندوب إليه عند جمهور الفقهاء، ويصبح واجباً عندما يخاف الشاب أو الفتاة على نفسيهما الزنا، فلا يصحُّ العزوف عن الزواج بالكلية خوف التقصير في العدل في حق الزوجة أو بسبب العصبية من الزوج، ففي هذا تعطيل للفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية، ومخالفة لطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن التغلب على المشكلات التي يخاف منها بعض الرجال وذلك بالتعاون والاتفاق فيما بينهما على أن يتفهم كلٌّ منهما طبيعة الآخر، وحقيقة مشاعره بما لا يجعل أحدهما يستفز الآخر أو يثير غضبه وحفيظته، ويُعين على هذا حُسنُ اختيار الزوجة، والله أعلم.