عنوان الفتوى: حكم الأذان الموحد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم الأذان الموحد؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5398

11-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فالأذان شعيرة من شعائر الإسلام، به يصدح صوت الحق، وينطلق في الأفق معلناً دخول وقت الصلاة وداعياً إلى المسارعة بأدائها وقد كان بدؤه في السنة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة كما جاء في سنن أبي داوود عن عبد الله بن زيد قال:

لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول: إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال:" إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك". فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فلله الحمد".

وإن شعيرة الأذان لم تنقطع منذ ذلك اليوم، وبقي المسلمون من زمن النبي صلى الله عليه وسلم يحرصون على إعلانه فكان المؤذن يقف في مكان عالٍ ويرفع الأذان ليسمعه إلى أكبر عدد ممكن من الناس ثم صار المؤذن يعتلي سطح المسجد وكان أول من فعل ذلك سيدنا بلال رضي الله عنه عندما صعد إلى سطح الكعبة ورفع الأذان في فتح مكة، ثم عندما تطور النظام العمراني صنع الناس المئذنة ليرتقي عليها المؤذن.

وبعد اختراع مكبرات الصوت تم وضعها على المآذن وصار المؤذن يؤذن من داخل المسجد دون صعود إلى المئذنة ليصل صوت الأذان  إلى أكبر عدد من الناس حتى يحضروا الصلاة ويسارعوا إليها.

ومع تقدم العلم أصبح بالإمكان استخدام مكبرات صوت من مسجد واحد ليرفع حياً ومباشراً بمدينة كبيرة بأكملها فهو كمكبرات الصوت إلا أنه أوسع انتشاراً وقد عرف هذا بالأذان الموحد.

وهي فكرة حضارية  تقوم على إطلاق الأذان الحي من مسجد مركزي واستقبال هذا الأذان من باقي المساجد بواسطة البث الفضائي المباشر، وهو جائز بشروط، منها:

1- أن يكون الأذان مع دخول الوقت ومراعاة فروق التوقيت في الأماكن البعيدة، بحيث يكون لكل منطقة تتحد في زمن دخول وقت الصلاة أذان خاص بها.

2- أن يكون الأذان حياً ومباشراً فلا يجوز أن يكون الأذان الموحد تسجيلاً (مسجلاً) لأن التسجيل هو صورة للأذان وليس أذاناً، ولذلك فإن المجمع الفقهي الإسلامي قد أفتى في دورته التاسعة المنعقدة في مكة بعدم جواز الأذان المسجل لأن الأذان يرفع عن طريق الأقمار الصناعية بالتسجيل.

3- ويشترط فيه الإسماع وهو المقصود من الأذان إعلام الناس وإخطارهم بدخول الوقت فلذا لو لم يسمع أهل البلد لم يصح، وقد نصَّ على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته رد المحتار فقال: (والظاهر أن أهل كل محلة سمعوا الأذان ولو من محلة أخرى يسقط عنهم، لا إن لم يسمعوا).

وقد جاء في كتاب المبسوط للإمام السرخسي:((.. (فإن صلى رجل في بيته فاكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه) لما روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه صلى بعلقمة والأسود في بيت فقيل له ألا تؤذن فقال أذان الحي يكفينا)).

وقد كانت دولة الإمارات من السابقين في تطبيق هذه وفق الضوابط الشرعية وأثبتت نجاحها حيث يقوم المؤذن في كل مسجد بفتح جهاز الاستقبال قبل ربع ساعة من الأذان على الأقل، وعندما يدخل الوقت يقوم المؤذن من أحد المساجد الجامعة برفع الأذان حياً ومباشراً لجميع المساجد في البلد الواحد الذي لا يكون فيه فرق بالتوقيت.

 فوائد الأذان الموحد: وقد حققت هذه المبادرة عدة فوائد وميزات، ومنها

  • اتباع السنة النبوية في اختيار الأصوات الندية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد:" علمه بلال فإنه أندى منك صوتاً". حيث يتمُّ اختيار أصحاب الأصوات الشجية الجميلة بدقة وعناية وفق مواصفات شرعية لرفع الأذان وإسماعه للناس مما يكون له أثر طيب في نفوس الناس.
  • ضبط ألفاظ الأذان وتأديتها بالشكل الصحيح وفق ما هو مقرر في الفقه الإسلامي.
  • ضبط مسألة الوقت وتحديده بالشكل الصحيح، كما قال تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) فلم يعد لمؤذن كل مسجد أن يتأخر عن وقت الأذان ولا أن يتقدم عنه. وتبرز فوائد هذه الميزة للصائمين أكثر إذ ينضبط إمساكهم وإفطارهم وفق التوقيت المقرر شرعاً.

 بعض الشبهات حول الأذان الموحد:

  • يستشهد بعض الناس بالحديث الوارد في صحيح مسلم عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَة" ويقولون لماذا يتم الاقتصار على عدد قليل من المؤذنين ويحرم غيرهم من هذا الشرف والأجر العظيم؟

والجواب: إن كل من يقوم بالأذان ولو مرة واحدة يحظى بهذا الأجر إن شاء الله تعالى ولا علاقة لعدد مرات الأذان، وإن المؤذنين باقين في مساجدهم ووظائفهم سواء أذنوا بالميكرفون أو أقاموا الصلاة داخل المسجدِ ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى عدد قليل من المؤذنين ولم يطلب من جميع الصحابة أن ينالوا ثواب رفع الأذان. فكان سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه يؤذن في المدينة النبوية الشريفة وكان لمسجد قباء مؤذن آخر.

كما ثبت أن للنبي صلى الله عليه وسلم مبلغين كانوا ينقلون كلامه وحديثه في حجة الوداع لجموع الحجيج. وإن مكبرات الصوت تغني عن المبلغين. 

  • تكلم بعض الناس عن دراسة تفيد بأن تأخر بعض المؤذنين عن بعض يؤدي إلى أن لا ينقطع الأذان عن الكرة الأرضية!

الجواب :قد يفهم من هذه الدراسة أن الأذان لا يكاد ينتهي في مدينة حتى يطلق في مدينة أخرى فيها فرق في توقيت دخول وقت الصلاة! أما إذا قصد بها تأخر المؤذن عن الأذان بعد دخول الوقت في بلدته ففي ذلك مخالفة شرعية، فالله سبحانه طلب منا مراعاة الوقت وليس مراعاة عدم انقطاع الأذان وأن المطلوب تحري الضبط الصحيح للوقت.

  • ماذا لو تعطل جهاز استقبال الأذان حياً على الهواء؟

الجواب: إن المؤذنين في جميع المساجد جاهزون وقد تم التعميم عليهم أن يقوموا بالأذان عند حدوث أي انقطاع أو خلل في البث الفضائي.

  • احتج بعض الناس بقرار المجمع الفقهي الإسلامي  بأنه منع الأذان الموحد!

 الجواب: بعد الرجوع إلى القرار المذكور تبين أن القرار منع الأذان المسجل باعتبار أن النية من شروط الأذان، ولهذا لا يصح من المجنون ولا من السكران ونحوهما؛ لعدم وجود النية في أدائه، فكذلك في التسجيل المذكور" ... واعتبر القرار أن "الأذان عن طريق التسجيل تفويت لسننه وإماتة لنشرها مع فوات شرط النية فيه. وقد جاء في القرار "وبناء على ما تقدم فإن مجلس القضاء في المجمع الفقهي الإسلامي يقرر ما يلي: أن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع"

وقد بات واضحاً أن الأذان الموحد الذي منعه القرار المذكور هو المسجل ولم يتطرق إلى الأذان الحي المباشر الذي  هو  توسيع لرفع الأذان بالمكبرات الخارجية للمساجد، ولم يقل بتحريم استخدام مكبرات الصوت في الأذان أحد من أهل العلم. والله تعالى أعلى وأعلم

  • والخلاصة

    الأذان الموحد فكرة حضارية جائزة بشرط أن يكون ملتزماً مواقيت الصلاة ومراعياً لفروق التوقيت، وأن يكون حياً على الهواء وليس من مسجل، وأن يكون مسموعاً لأهل البلدة كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود " أذان الحي يكفينا" وله فوائد في انتقاء الأصوات الندية وضبط ألفاظ الأذان وضبط الوقت الصحيح. والله تعالى أعلم.