عنوان الفتوى: دواء الرياء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

في بعض الأحيان عندما يراني أي فرد أقرأ القرآن أو الأذكار لا أحس بلذة ما أفعله وتحدثني نفسي بأنهم سوف يمتدحوني لما أفعله، كيف أقوم بالأعمال الصالحة التي أريد بها رضا الله من دون أن يعرف الناس أني أقوم بكذا وكذا؟ وكيف أقوم بالتغلب على نفسي الشريرة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5397

20-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيتها السائلة الكريمة، وبارك فيكِ، وزادك حرصاً.

واعلمي أن فِعل الإنسان للطاعات وحُبه أن يمدحه الناس عليها ويقصد به طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم خصال الخير يدخل تحت الرياء، والرياء حرام، وهو محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وهو من كبائر المهلكات، والمرائي عند الله ممقوت، وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار بذم الرياء في الكتاب والسنة، من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 4-6‏]‏ وقوله‏:‏‏{‏فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً‏.‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 110‏]‏ وقال تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}[الإنسان:9].

وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:" أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ".

وروى مسلم أيضاً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ".

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (من سمَّع) بالتشديد أي من نوه بعلمه وشهر ليراه الناس ويمدحوه (سمع الله به) أي شهره بين أهل العرصات وفضحه على رؤوس الأشهاد، وإنما سمى فعل المرائي سمعة ورياء لأنه يفعله ليسمع به، ذكره القاضي وذكر نحوه البيضاوي، وقال النووي: معنى هذا الحديث من راءى بعلمه وسمعه للناس ليكرموه ويعظموه فقد سمع الله به الناس وفضحه يوم القيامة لكونه فعله رياء وسمعة؛ لا لأجل الله، اهـ.

وروى أحمد بسندٍ صحيحٍ عنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً".

وأما دواء الرياء فقد وصفه الإمام الرباني الإمام الغزالي رحمه الله، حيث قال في الإحياء: وأما الدواء العملي: فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها، كما تغلق الأبواب دون الفواحش، حتى يقنع قلبه بعلم الله أو إطلاعه على عباداته ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غير الله به... فلا دواء للرياء مثل الإخفاء، وذلك يشق في بداية المجاهدة، وإذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله وما يمد به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد و {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[الرعد:11]. فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية، ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب والله لا يضيع أجر المحسنين؛ وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، أهـ.

ومع ذلك فمن الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به، وذلك غلطٌ وجَرٌّ له من الشيطان إلى البطالة وترك للخير، فما دام الباعث على العمل صحيحا وهو في ذاته موافق للشرع الحنيف فلا يترك العمل لوجود خاطر الرياء، بل على العبد أن يجاهد خاطر الرياء ويلزم قلبه الحياء من الله وأن يستبدل بحمده حمد المخلوقين، روى البيهقي في شعب الإيمان عن الفضل بن عياض رضي الله عنه قال: العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، وقال غيره: من ترك العمل خوفا من الرياء فقد ترك الإخلاص والعمل، والله أعلم.

  • والخلاصة

    فِعل الإنسان للطاعات وحُبه أن يمدحه الناس عليها ويقصد به طلب المنزلة في قلوب الناس بإظهارخصال الخير يدخل تحت الرياء، والرياء حرام، وهو محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وهو من كبائر المهلكات، والمرائي عند الله ممقوت، ودواء الرياء أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وليحذر من ترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به، فذلك غلطٌ وجَرٌّ له من الشيطان إلى البطالة وترك الخير، والله أعلم.