عنوان الفتوى: دفع إشكال عن ظاهر بعض الآيات

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

إنَّ الله سبحانه وتعالى قد نهى نبيه: فقال تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) [التوبة : 55]. وقال تعالى: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)  [الكهف : 28]. وقال تعالى: ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ)  [الحجر : 88] وكل المفسرين أنها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل فعَل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ وكيف نفهم تعلق النبي بالدنيا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5384

31-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فليس في الآيات ما يستشكل، فأمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء لا يدلُّ على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تاركٌ له، ونهيه عن فعل شيء لا يدلُّ على أنه فاعل له، فأمره الله تعالى بالتقوى فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)  [الأحزاب:1]. هذا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إمام المتقين، ولم يطع الكافرين ولا المنافقين.

وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس : 94]، وليس على وجه الأرض من هو أعظم ثقة ويقيناً بالحقِّ الذي يحمله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال تعالى: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف : 28]، وما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينة الدنيا، بل كانت الدنيا عنده لا تساوي شيئاً، فهو الذي كان يبقى الشهر والشهرين ولا يوقد في بيته نار وهو الذي خيره الله بين أن يكون مَلِكاً نبياً أو عبداً رسولاً فاختار أن يكون عبداً رسولاً، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ قَالَ أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا قَالَ جِبْرِيلُ تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ بَلْ عَبْدًا رَسُولًا).

وهو الذي كانت تُسَاق إليه كنوز الأرض ويبيت وليس في بيته منها شيء، ففي صحيح البخاري عن عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ فَقَالَ كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ).

وعليه؛ فمعنى قوله تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) [التوبة : 55]، أي: لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تَمِل إليه فإنه استدراج، وحاله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما استحسنه ولا مال إليه.

وأما قوله تعالى: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)  [الكهف : 28]، فالمعنى لا تُرِد طَلَبَ مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا.

وأما قوله تعالى: ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ)  [الحجر : 88]، فمعناها: قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس.

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: (كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك).

وقال الإمام البغوي في تفسيره: (قوله تعالى: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ" يعني: القرآن "فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ" فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة.

قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: "يا أيها النبي اتق الله"، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون، بدليل أنه قال: " إن الله كان بما تعملون خبيرا " ولم يقل: "بما تعمل"). 

وقال العلامة الألوسي رحمه الله: (والمراد على ما قيل:

  • 1- استمر على ترك ذلك.
  • 2- وقيل: الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أبعد شيء عن إطالة النظر إلى زينة الدينا وزخارفها، وأعلق بما عند الله عز وجل من كل أحد، وهو عليه الصلاة والسلام القائل: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله تعالى»، وكان صلى الله عليه وسلم شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى زخرفها، والكلام على حذف مضاف أو فيه تجوز في النسبة).

وبهذا يكون المعنى واضحاً إن شاء الله، وينتفي الإشكال، والله أعلم.

  • والخلاصة

    ليس في الآيات إشكال، فالأمر بالشيء لا يدلُّ على أنَّ المأمور تارك له، والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي مرتكب له، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إما أن يكون المراد به أمره بالاستمرار على ما هو عليه، أو يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به أمته، والله تعالى أعلم.