عنوان الفتوى: حكم غسل الملابس بالبخار (دراي كلين)

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هناك شيء حيرني، ما هو حكم  طهارة الألبسة التي تغسل على الناشف (دراي كلين) وخاصة إذا كانت توسخت من نجاسة (بول وما شابه)؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5380

24-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها السائل الكريم، وبارك فيكِ، وزادك حرصاً.

واعلم أن مذهب السادة المالكية أنه لا يصح تطهير النجاسة وإزالتها إلا بالماء المطلق أو البخار المتكيف الذي له مادة أي جرم مخلخل، أما الماء الذي خالطه طاهر أو نجس فتغيَّر أحد أوصافه الثلاثة ( لونه أو طعمه أو ريحه ) فلا يصح تطهير النجاسة وإزالتها به، وكذا البخار الذي لا يتخلل إلى أجزاء القماش بحيث يدخل إلى كل أجزائه، وإنما يزيل عين النجاسة أو أثرها كما يفرك الثوب، فكل ذلك لا يصح التطهير به عند السادة المالكية، قال الشيخ خليل ين إسحاق المالكي رحمه الله في مختصره: (يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ).

وقال الشيخ المَوَّاق المالكي رحمه الله في التاج والإكليل: قال الْجَلَّابُ: لَا يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَلَا إزَالَةُ نَجَسٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا سِوَى الْمَاءِ الطَّاهِرِ... (لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا خُولِطَ وَغَيَّرَ مُخَالِطُهُ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ فَهُوَ مِثْلُ مُخَالِطِهِ، وَكَذَا مَا خُولِطَ وَغَيَّرَ مُخَالِطُهُ رِيحَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ (كَدُهْنٍ خَالَطَ) ابْنُ بَشِيرٍ: الْمُتَغَيِّرُ بِمُخَالَطَةِ الْأَدْهَانِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ (أَوْ بُخَارِ مُصْطَكَى ) اللَّخْمِيِّ: رَوَائِحُ الطِّيبِ إنْ كَانَتْ عَمَّا حَلَّ فِيهِ كَانَتْ مُضِيفَةً وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَمْ تُضِفْهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْبَخُورِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمَ الْمُضَافِ ، لِأَنَّهَا تَصْعَدُ بِأَجْزَاءٍ مِنْهُ وَيُوجَدُ طَعْمُ مَا يُبَخَّرُ بِالْمَصْطَكَى .اهـ

إلا أن الذي يظهر لنا أن مغاسل البخار تزيل النجاسة إزالة لا يظهر معها أثر للنجاسة فهي تزيل اللون والرائحة، والغسل بها - غالباً - يكون أفضل من الغسل بالماء، بل قد يكون الماء غير متعين لإزالة النجاسة خاصة في بعض الملابس لأنه يؤدي إلي انكماش الملابس أو إفسادها، ويلحق بالناس حرج ومشقة لو قيل بعدم جواز غسلها بالمغاسل الجافة، ومن القواعد المقررة عند الفقهاء أن المشقة تجلب التيسير
كما أن المواد الكيميائية المستعملة في مغاسل البخار (مادة البروكلين) مواد طاهرة، والذين يقومون بالغسل يضيفون كميات أخرى من البروكلين عند إعادة الغسل مرة أخرى.  
وقد ذهب فقهاء السادة الحنفية إلى أن التطهير بهذه الطريقة جائزة، ويحصل إزالة الخبث بها، فالبخار المتحلل من المائعات الطاهرة طاهر، وكذلك البخار المتحلل من النجس طاهر عندهم، لأنه استحال إلى شيء آخر غير أصلها، وذلك أنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث، قال الإمام ابن نجيم الحنفي رحمه الله في البحر الرائق: وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ خَمْرًا فَيُنَجَّسُ وَيَصِيرُ خَلًّا فَيَطْهُرُ فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ زَوَالَ الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَرَّعُوا الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ صَابُونٍ صُنِعَ مِنْ زَيْتٍ نَجَسٍ ا هـ .

وقال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله في بدائع الصنائع: (وَلَهُمَا) أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَهَذِهِ الْمَائِعَاتُ تُشَارِكُ الْمَاءَ فِي التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا كَانَ مُطَهِّرًا كَوْنِهِ مَائِعًا رَقِيقًا يُدَاخَلُ أَثْنَاءَ الثَّوْبِ، فَيُجَاوِرُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ، فَيُرَقِّقُهَا إنْ كَانَتْ كَثِيفَةً، فَيَسْتَخْرِجُهَا بِوَاسِطَةِ الْعَصْرِ، وَهَذِهِ الْمَائِعَاتُ فِي الْمُدَاخَلَةِ، وَالْمُجَاوَرَةِ، وَالتَّرْقِيقِ، مِثْلُ الْمَاءِ فَكَانَتْ مِثْلَهُ فِي إفَادَةِ الطَّهَارَةِ بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ الْخَلَّ يَعْمَلُ فِي إزَالَةِ بَعْضِ أَلْوَانٍ لَا تَزُولُ بِالْمَاءِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّطْهِيرِ أَبْلَغُ.اهـ

ومما سبق يتضح كما هو مقرر عند علماء الحنفية أن المائعات سوى الماء يصح التطهير بها لإزالة الخبث لا لرفع الحدث، وعليه فغسيل الملابس بالبخار أو على الناشف (الدراي كلين) جائز، ويحصل به التطهير عندهم خلافاً للمالكية، وإن كان من المقرر عند المالكية جواز الأخذ بمذهب الأحناف أو غيرهم عند الضرورة أو عند عموم البلوى، وهذا مما احتاج الناس إليه ، وقد عمَّتْ به البلوى، والله أعلم.

  • والخلاصة

    غسيل الملابس بالبخار أو على الناشف (الدراي كلين) جائز، ويحصل به التطهير، فإن المائعات سوى الماء يصح التطهير بها لإزالة الخبث لا لرفع الحدث، والمواد المستعملة في مغاسل البخار (مادة البروكلين) طاهرة، وحتى إن كانت نجسة فقد طهرت بالاستحالة كما هو مقرر عند علماء السادة الحنفية، خلافاً للمالكية، وإن كان من المقرر عند المالكية جواز الأخذ بمذهب الأحناف أو غيرهم عند الضرورة أو عند عموم البلوي، وهذا مما احتاج الناس إليه، وقد عمَّتْ به البلوى، والله أعلم.