عنوان الفتوى: نقل الزوجة ما يدور ببيتها لأهلها

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز للزوجة أن تقوم بإخبار أهلها بما يحدث في بيتها ؟ وهل يأثم الأبناء إذا لم ينقلوا لوالدتهم جميع الأمور التي تحدث لهم في حياتهم تجنباً للإفساد والمشاكل؟

نص الجواب

رقم الفتوى

5149

07-مايو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنقل الكلام للآخرين بنية الإفساد حرام، ونقله بغير هذه النية إما لمصلحة شرعية أو لغيرها، فإن كان لمصلحة شرعية لتستعين بأهلها في توجيهها في مثل هذه القضايا لتصل للحل المناسب فيجوز، وأما بغير هذا وهو الغالب فإنه لا يخلو عن فساد، وقد يدخل في أبواب الغيبة المحرمة؛ وخاصة إذا نهى الزوج عنه فإن فيه مجاوزة حدود أدب الزوجية.

ولا ينبغي للمرأة اطلاع الآخرين على أسرار بيتها وأحوال بيتها وأسرتها وخدمها، فهذا مما يحمل الآخرين للتطفل والتدخل فيما لا يعنيهم، ولا ينبغي لهذه المرأة أن تحمل أولادها على هذا الخلق السيء إلا إذا كان فيه مصلحة شرعية لتكون متيقظة لاستدراك خطأ قد يحصل في بيتها فهذا جائز؛ وما سوى ذلك عبث وثرثرة ودخول فيما لا يعني ولا يفيد ولهذا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه مالك رحمه الله من طريق عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ::" مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ".

وروى مالك أيضا من طريق أبي شريح الكعبي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ".

قال الإمام النووي رحمه الله: ( وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت) فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَاب عَلَيْهِ، وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ أَنَّهُ خَيْر يُثَاب عَلَيْهِ فَلْيُمْسِك عَنْ الْكَلَام سَوَاء ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَكُون الْكَلَام الْمُبَاح مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاك عَنْهُ مَخَافَةً مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى الْمُحَرَّم أَوْ الْمَكْرُوه، وَهَذَا يَقَع فِي الْعَادَة كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا. وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:18].

وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْع إِلَى الْإِمْسَاك عَنْ كَثِير مِنْ الْمُبَاحَات لِئَلَّا يَنْجَرَّ صَاحِبهَا إِلَى الْمُحَرَّمَات أَوْ الْمَكْرُوهَات . وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ ؛ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ تَكَلَّمَ ، إِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضَرَر ، أَوْ شَكَّ فِيهِ أَمْسَكَ .

وَقَدْ قَالَ الْإِمَام الْجَلِيل أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن أَبِي زَيْد إِمَام الْمَالِكِيَّة بِالْمَغْرِبِ فِي زَمَنه : جِمَاع آدَاب الْخَيْر يَتَفَرَّع مِنْ أَرْبَعَة أَحَادِيث : قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت " ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه " وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي اِخْتَصَرَ لَهُ الْوَصِيَّة : " لَا تَغْضَب " ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " . ... وَرَوَيْنَا عَنْ الْفُضَيْلِ بْن عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : مَنْ عَدَّ كَلَامه مِنْ عَمَله قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيه . وَعَنْ ذِي النُّون رَحِمَهُ اللَّه : أَصْوَنُ النَّاس لِنَفْسِهِ أَمْسَكُهُمْ لِلِسَانِهِ، وَاَللَّه أَعْلَم.

  • والخلاصة

    نقل الكلام للآخرين بنية الإفساد حرام، ونقله بغير هذه النية إما لمصلحة شرعية أو لغيرها، فإن كان لمصلحة شرعية لتستعين بأهلها في توجيهها في مثل هذه القضايا لتصل للحل المناسب فيجوز البيان والتوضيح، وأما بغير هذا وهو الغالب فإنه لا يخلو عن فساد، وقد يدخل في أبواب الغيبة المحرمة وخاصة إذا نهى الزوج عنه فإن فيه مجاوزة حدود أدب الزوجية، ولا ينبغي للمرأة اطلاع الآخرين على أسرار بيتها وأحوال بيتها وأسرتها وخدمها، فهذا مما يحمل الآخرين للتطفل والتدخل فيما لا يعنيهم، ولا ينبغي لهذه المرأة أن تحمل أولادها على هذا الخلق السيء إلا إذا كان فيه مصلحة شرعية لتكون متيقظة لاستدراك خطأ قد يحصل في بيتها فهذا جائز وما سوى ذلك عبث وثرثرة ودخول فيما لا يعني ولا يفيد، والله أعلم.